العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    مراجعة لجوانب الصراع العربي الإسرائيلي

    بالصدفة البحتة كنت في الولايات المتحدة ساعة إعلان الرئيس دونالد ترامب عن خطته إزاء القدس ونقل السفارة الأميركية إليها. بعدها لم يتوقف تليفوني عن الرنين .

    حيث كان السؤال ماذا تفعل مصر إزاء هذه التطورات غير المواتية، لا للقضية الفلسطينية ولا للاستقرار الإقليمي، وباختصار للبيئة الخارجية لعملية التطور الداخلي في مصر ذاتها. باختصار فإن ما نحتاجه من استثمارات ومن استئناف لحركة السياحة.

    ومن استقرار في سعر العملة لا يحدده فقط ما نفعله داخل حدودنا، وإنما ما يجري خارجها أيضاً. ففي الأغلب الأعم فإن المستثمر لا يأتي فقط إلى بلد، وإنما يأتي إلى منطقة؛ ولا يأتي سائح إلى دولة، وإنما إلى إقليم؛ وفي كثير من الأحيان فإن النيران التي تشتعل في الشرق الأوسط تصل بأشكال كثيرة إلى مصر إن لم يكن في شرار فيكون ذلك في لهب.

    الإرهاب في أحوال عدة يتحرك بين بلدان المنطقة بل أن مصر تدفع ثمن هزيمة «داعش» ما بين الرقة والموصل، أما القضية الفلسطينية فهي لا تترك مصر في حالها، وعندما طرح ترامب سياسته فإنه ألح على دول المنطقة كلها بالسؤال: ماذا تفعل إزاء الخطوة الأميركية، وهل من سبيل ألا تتحول هذه الخطوة إلى طوفان عالمي من نقل سفارات دول كثيرة إلى القدس.

    وهل بعد ذلك كله يمكن أن تقوم دولة فلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية؛ وإذا لم يكن ذلك ممكناً فهل يمكن أن تعيش المنطقة كلها في ظل انتفاضة فلسطينية ثالثة أو رابعة، بكل ما يواكبها من ازدهار راديكالي، وإرهابي لن يخص إسرائيل في أغلب الأحيان، والأرجح أن ذلك سوف يذهب إلى «العدو القريب» أي نحن؟

    رد الفعل الأولي في مصر والدول العربية الأخرى على القرار الأميركي هو الغضب المشروع، فهو لم يأت في ظل التسوية الشاملة التي تحدثت عنها إدارة ترامب، وعرفت بصفقة القرن على سبيل الدعاية والترويج. وفي أحسن الأحوال فإنها جاءت على سبيل «العربون» لإسرائيل لا أكثر ولا أقل.

    ولكن لم يكن وراءه خطوات أخرى تجاه الدولة الفلسطينية. أغلب المقترحات في مواجهة الأمر تقوم كالعادة على «القطيعة» و«المقاطعة» بقطع العلاقات وإغلاق السفارات مع أميركا وإسرائيل ومن سوف يناصرهم من دول العالم وهم كثر. وحتى من كانوا يناصرون العرب أصبحت لديهم عقد خاصة منهم. باختصار فإننا لم نستفد كثيراً عندما كانت معنا أوراق متعددة.

    وعندما استخدمناها كان من داخلنا من نسفها بعمليات «استشهادية»، كان هناك دائماً اعتقاد لدى جماعات منا ترى أنه يكفي المزيد من الراديكالية والأكثر من العنف الذي لا يفسد فقط عملية السلام، وإنما يحرر فلسطين، ومن النهر إلى البحر، ويعود اللاجئون، ويحصلون على تعويض أيضاً عن المعاناة. لم يحدث أي من هذا، وكم من المصريين لاموا أنفسهم، لأن مصر عرفت كيف تسترد أراضيها قبل فوات الميعاد.

    الأمر ربما يحتاج تفكيراً جديداً يحول القضية من صراع عربي إسرائيلي أو فلسطيني إسرائيلي تحصل فيه إسرائيل دوماً على جائزة الأرض، والآن القدس، إلى حالة صريحة من الاضطهاد العنصري في دولة مشتركة، وشعب ثنائي القومية. الثوابت التي نعرفها هي أنه بين النهر (الأردن) والبحر (المتوسط) فإنه يوجد 12 مليون نسمة نصفهم من اليهود والنصف الآخر من العرب، مسيحيون ومسلمون.

    وبعد نصف قرن من الاحتلال لكامل التراب الفلسطيني أصبح هناك ثلاثة أنواع من الفلسطينيين: أولهم المعروفون بعرب إسرائيل وعددهم 1.6 مليون يريدون البقاء في دولة إسرائيل.

    ولهم نواب في الكنيست ويشكلون الكتلة الثالثة فيه. وثانيهم الفلسطينيون في الضفة الغربية، حيث توجد السلطة الوطنية الفلسطينية التي تريد تسوية سلمية مع إسرائيل، وثالثهم الفلسطينيون في غزة، حيث تسيطر حركة حماس، وحيث تتواجد جماعة الجهاد الإسلامي وحفنة من الجماعات الأخرى.

    ما يجمع الثلاثة هي أنه رغم تفاوت الدرجات النضالية بينهم، فإنهم جميعاً يشكلون وحدة سياسية واقتصادية بالتجارة والعملة (الشيكل) والضرائب، والتفاعلات اليومية تعاوناً أو اقتتالاً. وفي كل الأحوال فإن حالة إسرائيل تزدهر وتغتني وتكسب المزيد من الأصدقاء في العالم وتشتهر بأنها الديمقراطية الوحيدة في المنطقة.

    من الواضح على ضوء كل ما سبق أن حل الدولتين لم يعد ممكناً لأن لا أحد يريد منح الفلسطينيين دولة جادة، ولا يمكن أن تقوم دولة فلسطينية من دون القدس الشريف.

    المسألة ليست سهلة بالطبع، وهناك الكثير من التفاصيل التي تحتاج إلى البحث والتدقيق، ولكن المرجح أن يكون التفاوض حولها أقل صعوبة من التفاوض بشأن حل الدولتين الذي انقضت صلاحيته على الأرض. هذه دعوة للتفكير مجدداً في القضية الفلسطينية نخرج فيها من الطرق المسدودة.

     

    طباعة Email