ماذا يعني الثاني من ديسمبر؟

لا شك أن اليوم الوطني عيد الأعياد بالنسبة للإمارات وشعبها من مواطنين ومقيمين وزائرين. ولكن المغزى الرئيس في السياق الأكبر والأعم، أنه يوم لا كغيره من الأيام بالنسبة للتاريخ العربي الحديث والمعاصر بل وتاريخ العالم النامي.

قادة الاتحاد، الآباء المؤسسون، أدركوا خصوصية اللحظة. وقد كانت تحيط بالدولة العتيدة مخاطر كبيرة من قبل عدة جهات متمثلة بتشعب المصالح والمراكز والنزعات المتنوعة. ومستعمر سيطر على البلاد لما يزيد على قرن ونصف دون أن ينشئ أي مقومات من مقومات الدولة سواء كان من ناحية البنية التحتية أو بيروقراطية إدارية فضلا عن المؤسسات السياسية.

وكانت هناك مطامع إقليمية تحوم حول دولة في طور التكوين. وعدو يتربص يتحين الفرص للانقضاض على الكيان السياسي.

ولكن التجربة الاتحادية الإماراتية تتجلى في السياقات الكبرى للإقليم والعالم العربي. التجربة الوحدوية الإماراتية هي التجربة الوحيدة التي نجحت واستمرت لنصف قرن تقريبا. وكما هو معروف، فان هناك تجارب وحدوية سبقت التجربة الإماراتية ولم يقيض لها النجاح.

فالمملكة الليبية المتحدة تشكلت في العام 1951 كاتحاد فيدرالي بين ثلاث ولايات وهي طرابلس وبرقة وفزان تحت قيادة الملك إدريس إلى العام 1963 حين ألغي النظام الفيدرالي، تحت ضغط شعبي، لصالح وحدة اندماجية. واستمر الصراع بين القوى الاجتماعية المتأثرة بالدعاية الناصرية والقومية العربية إلى أن أطيح بالنظام الملكي 1969.

وكانت بداية مأساة ليبيا إلى أن انتهى نظام العقيد القذافي بثورة شعبية عارمة ولكن آلت إلى مصير مجهول قد يؤدي إلى مزيد من التشرذم والانقسامات.

وهناك تجربة الجمهورية العربية المتحدة بين مصر وسوريا والتي استمرت لمدة ثلاث سنوات من 1958 إلى 1961. ورغم أن الحماس اكتنف الجميع والالتزام الأيديولوجي كان مسيطرا على المشهد إلا أن الواقع العملي والمصالح المتباينة بين الإقليم الشمالي (سوريا) والإقليم الجنوبي (مصر) حسم الموقف للانفصال.

ولم ينجُ الاتحاد العربي الهاشمي من المصير نفسه والذي تشكل في 1958 بين المملكة العراقية والمملكة الأردنية كرد فعل على قيام الجمهورية العربية المتحدة. إلا أن الاتحاد الهاشمي انتهى مبكرا بسقوط الملكية في العراق إثر الانقلاب العسكري بعد أشهر من قيام الاتحاد.

التجربة اليمنية الجنوبية وتشكيل اتحاد الجنوب العربي والذي تشكل من عدة سلطنات ومشيخات في العام 1959 وتوسع ليضم إلى كنفه وحدات أخرى، استمر إلى العام 1967 حين رحل الاستعمار البريطاني وانتهى الاتحاد بسقوط الكيانات السياسية المختلفة والمتخالفة بعد انتصار الثورة في الجنوب العربي واستقلاله تحت اسم جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية.

وقد تبعت هذه الوحدات الرئيسة عدة محاولات وحدوية لم يكتب لها النجاح وثبطت كل الهمم تجاه أية محاولات للوحدة بين الدول العربية. وبدا الناس يتندرون على أي إعلان للوحدة. وأصبح الحديث عن وحدة عربية حديثا عبثيا وأن العرب لا يستطيعون التوحد إلا بإراقة الدم وليس بالحوار السياسي. وقد جاءت التجربة الوحدوية اليمنية والتي قامت في 1990 وما عانت من تصدع وحروب كتصديق لهذه المقولة.

ومن هنا يبرز المغزى الكبير والمعنى السامي لاتحاد الإمارات. فالاتحاد قام على أسس من التفاهم والحوار والذي استغرق ردحا من الزمن. ولم يكن هناك أي قسر على الوحدات السياسية للانضمام إلى الكيان الاتحادي، وبدأت الدولة الاتحادية مثقلة بالماضي ومحملة بهموم المستقبل.

وقد شرع الآباء المؤسسون بإعمار البنية التحتية من البداية وبتشييد المؤسسات السياسية من الأساس وبناء النظام الإداري للدولة الفتية. وكان من نعم الله على دولة الإمارات وجود قائد فذ يقود الدولة بجدارة وإخلاص، وسخر الثروات لخدمة وطنه وشعبه. وذلك مع تعاضد بقية حكام الإمارات وإدراكهم للمسؤولية التاريخية وتماسك الشعب وتوقه لقيام دولة الاتحاد.

ويدرك كل من عاش قبل فترة الاتحاد وبعد قيام الاتحاد الفرق النوعي والكمي للتقدم الذي حظيت به دولة الإمارات العربية والإنجازات الجبارة التي حققتها الدولة في فترة وجيزة بالنسبة لتاريخ الأمم والشعوب. فهنا استطاعت كيانات سياسية عربية متفرقة ومثقلة بميراث تاريخي من الانقسام أن تتحول إلى وحدة سياسية استمرت بثبات وعزيمة لنصف قرن.

وفضلا عن تقوية المسيرة الاتحادية فإنها سعت لتحقيق سعادة المواطن والمقيم بأرضها حتى غدا شعب الاتحاد من أسعد شعوب العالم. وقد اتبع قادة الاتحاد أسلوب التوافق والإجماع لتحقيق وحدتهم، وتأجيل ما صعب من تحقيقه في فترة معينة إلى حقبة أكثر ملاءمة لتحقيق الهدف. وهكذا نفهم مغزى ومعنى الثاني من ديسمبر ليس كتجربة إماراتية بحتة بل كمشروع عربي فريد وملحمة إنسانية كبيرة.

وهكذا يجب أن تفهم مقولة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد «زايد صنع لنا دولة. وأودع عندنا أمانة. وترك لنا وصية بأن يستمر العمل حتى نكون أفضل دولة في العالم.».

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات