انعكاسات قمة الكويت على مستقبل الخليج

هل ما يحدث في منطقة الخليج الآن هو ما توقعت الكثير من السيناريوهات لمستقبل الخليج في النصف الأول من القرن الحادي والعشرين؟

وهل ما يحدث الآن من أحداث منظمة ومتسقة يتوافق مع ما توقعته تلك السيناريوهات؟ وما أثر ما يحدث في اليمن من أحداث مرتبكة وملتبسة، وما حدث قبله في سوريا وفي العراق من انعكاسات على منطقة الخليج العربي؟ وهل ما يحدث هو بداية التغير أو نهايته؟

أحداث كثيرة شهدتها منطقة الخليج في السنوات القليلة الماضية مهدت لأرضية التغير تماماً كما مهدت لظهور العديد من سيناريوهات التغير في المنطقة. وعلى الرغم من أن بعض التغير هو تغير جوهري قادم من داخل دول الخليج نفسها إلا أن البعض الآخر هو انعكاس لما يحدث في الجوار الإقليمي لمنطقة الخليج.

فمنذ أن بدأت التبدلات الجيو-استراتيجية في منطقة الخليج وتشكلات مصالح الدول العظمى كالولايات المتحدة تتبدل تجاه المنطقة وتتغير، بدا جلياً أن المنطقة مقبلة على عصر من الإرهاصات السياسية التي لا شك سوف تنعكس على دول الخليج وسياساتها الخارجية وأمنها القومي.

ومن جراء ذلك فإن دول الخليج سوف تواجه في سياساتها الخارجية ملفات إقليمية من الصعب التنبؤ بكيفية انتهائها أو مساراتها ومن أهمها الملف اليمني. فمنذ أن بدأت الحرب في اليمن أصبح التحالف العربي الذي تقوده السعودية طرفاً في هذه الحرب من أجل إعادة الشرعية إلى اليمن الذي اختطف بواسطة ميليشيات مسلحة تخدم أجندات إيرانية.

واتضح من ذلك الوقت أن دول الخليج لا يمكنها أن تقف مكتوفة الأيدي أمام هذا التهديد الذي يمس ليس فقط حدودها الجغرافية ولكن أمنها القومي واستقرارها الداخلي.

ملف آخر لا يقل صعوبة عن الملف اليمني ألا وهو ملف الإرهاب الذي تشعبت وسائله وأصبح يهدد ليس فقط أمن الخليج ولكن أمن العالم بأسره. فمنطقة الخليج التي تفخر بأنها حققت معدلات نمو عالية مشتقة من ذلك الاستقرار الذي تنعم به أصبحت الآن كبقية دول العالم معرضة للإرهاب القادم إليها من نواح عدة.

وعلى الرغم من جهودها في مكافحة الإرهاب إلا أن تلك الجهود سوف تستغرق وقتاً وجهداً كبيرين. ومن دون تفعيل الشراكات الإقليمية والدولية لن تستطيع دول الخليج وحدها أن تقاوم الإرهاب أو تجفف منابعه.

ويأتي الملف الأخير لكي يثبت أن دول الخليج في هذا الوقت من التاريخ لا بد من أن تقف متحدة لمواجهة ملفات إقليمية عديدة تريد النيل من منجز الخليج الاقتصادي والسياسي. ومن الواضح أن دول الخليج لن تستطيع التصدي لتلك التحديات ما لم تقف متحدة.

فالثقة بين كافة الأطراف في الخليج وقوة الإرادة وإعطاء الأولوية للمصالح الكبرى هي الوسيلة الوحيدة التي سوف تفوت الفرصة على الطامعين تماماً كما سوف تفوت الفرصة على من يريدون وضع الخليج مجدداً تحت وصاية الأطراف الدولية.

إن دول الخليج متحدة تمتلك إمكانيات اقتصادية وعسكرية ضخمة يمكنها أن تحولها في الفترة القادمة إلى قوة سياسية واقتصادية واستراتيجية ضاربة. كما أن في إمكان هذه الإمكانيات أن تحول دول الخليج إلى قوة لها دور في صياغة مستقبل الشرق الأوسط بأكمله.

ولكن تلك القوة مرهونة بتكاتف دول الخليج وليس تفرقها. فهل نجحت قمة الكويت في إخراج مجلس التعاون من المسار الذي دفعته إليه قطر بسياساتها التي تغرد خارج السرب الخليجي؟ أم أن قمة الكويت لن يذكرها التاريخ سوى أنها كانت قمة عادية نجحت في تجميع دول الخليج شكلياً؟

إن المستقبل ينظر لدول الخليج بعين التأمل. فقد علمه التاريخ أن مسارات الدول والحضارات ما هي إلا نقاط مرحلية تقاس فيها قدرة تلك الدول والحضارات على التأقلم مع محيطها واتخاذ السياسات التي تقودها إما إلى طريق البقاء والنجاح وإما إلى طريق الهلاك والتمزق والفناء. ومن الواضح أن دول الخليج تدرك ذلك جيداً.

فمجرد موافقتها على حضور القمة الخليجية في الكويت هو إدراك الحكيم بأهمية الحفاظ على مكتسبات مجلس التعاون وعدم السماح للأزمة مع قطر بأن تدمر هذه المكتسبات لأن ذلك سيكون له انعكاسات بعيدة المدى على المنطقة وشعوبها. إذاً فالواقع الذي تأمل تحقيقه دول الخليج هو واقع يجمعها ولا يفرقها وواقع يعي فيه كل طرف واجباته ومسؤولياته.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات