الجيل الجديد وجيل الآباء المؤسسين

عن قريب سوف تحتفل دولة الإمارات باليوم الوطني السادس والأربعين، ولا شك أن الكثيرين من أبناء الجيل الجديد ربما لا يعرفون الجهود التي بذلها جيل الآباء المؤسسين، ولم يسمعوا عن الصعوبات التي واجهوها في سبيل إرساء الكيان الاتحادي.

الكثير منهم أيضاً لا يعرف الصعوبات التي واجهها الوالد المغفور له، بإذن الله، زايد، وكيفية التغلب عليها من أجل جعل الاتحاد يقف على قدميه.

معرفة هذه الحقائق مهمة جداً لأنها تقدم لهم القدوة وفي نفس الوقت البرهان بأن هذا الاتحاد لم يولد بسهولة، وإنما ولد من رحم المعاناة. والمهم أيضاً أن يعرف الجيل الجديد بأن الجيل القديم من آباء وأجداد قد بذلوا كل جهدهم رغم الظروف الصعبة، وضحّوا بالكثير من أجل الاتحاد.

لقد فتح الجيل الجديد أعينه وهو يرى الاتحاد قوياً، ونهل من خيره ربما دون أن يعرف المعاناة التي عاناها الجيل المؤسس أو، مثلاً، الصعوبات التي واجهها الشيخ زايد في سبيل إنشاء دولة الإمارات، وجعلها اليوم فخراً لكل العرب. فهي الدولة العربية الوحيدة التي هي عبارة عن اتحاد قومي مكون من عدة كيانات سياسية تجمعها إرادة سياسية واحدة ومصير مشترك، هذا بالإضافة إلى الأواصر الأخرى التي تجمعها.

الجيل الجديد بحاجة إلى الاطلاع على تلك الصعوبات ليعرف بأن ولادة الاتحاد لم تكن بالعمل السهل، ولم يكن الاتحاد ليقوم ويقوى لولا التنازل عن المصالح الخاصة في سبيل المصلحة العليا. فليس من السهل على حاكم قبلي أن يتنازل لآخر لولا إدراكه بأن ذلك الحاكم إنما يسعى لتحقيق حلم جميل وإقامة كيان غير اعتيادي في بيئة غير اعتيادية.

إذاً لولا وقوف الآباء المؤسسين إلى جانب زايد لما استطاع زايد أن يبني الاتحاد. ومع زايد وقف جيل بأكمله يساند زايد ويؤيده. هذه الحقيقة يجب أن تقدم للجيل الجديد بكامل حذافيرها حتى يدرك الجيل الجديد أن إنشاء دولة الإمارات لم يكن بالأمر الهين وأن قبول فكرة الوحدة في بيئة سياسية صحراوية لم يكن بالأمر المألوف، ومع ذلك تنازل الآباء المؤسسون من أجل المصلحة العامة، ونجح زايد في إنشاء الاتحاد بمباركة الآباء المؤسسين وبالكفاءة والقدرة على الإدارة السياسية التي أبداها جيل زايد.

لم ينتهِ سيل العقبات والتحديات بقبول الآباء المؤسسين بالكيان الاتحادي الجديد، وبالشيخ زايد كرئيس لدولة الإمارات، بل إن ديمومة الاتحاد في أول سنوات عمره كانت أمراً غير سهل. ولكن زايد اعتمد على عدد من الركائز المهمة التي ساهمت في تقوية الكيان الاتحادي وغرس ركائزه في أرض الإمارات.

كانت يد زايد الممدودة سبيلاً إلى كسب القلوب في كافة أرجاء الدولة. لقد كان زايد مؤمناً بأن الثروة التي وهبها الله إلى أبوظبي هي ليست ثروة فردية، بل هي لخير الإمارات جميعها. ومن الركائز الأخرى التي ساهمت في الحفاظ على الاتحاد التعامل مع استقلالية كل إمارة، وفي نفس الوقت التعامل معها كعضو في كيان واحد. هذا التعامل مع هذا الملف الحساس ساهم كثيراً في تقوية الاتحاد.

لم تكن التحديات الداخلية والمتعلقة بكسب الولاء وبالتنمية هي التحدي الأصعب، بل واجه الاتحاد صعوبات خارجية أهمها كسب ولاء جوارها الإقليمي وثقته، بأن الكيان الجديد جاء كركيزة مهمة من ركائز الاستقرار في المنطقة وليس العكس. وعلى الرغم من سعيه لترسيخ الثقة في جواره إلا أنه لم يتردد في الوقوف مع القضايا الكبرى التي آمن بها.

ويعكس ذلك وقفة دولة الإمارات إلى جانب الحق العربي أثناء حرب 1973، وتصريح الشيخ زايد المشهور «البترول العربي ليس بأغلى من الدم العربي»، وقطعه البترول عن الدول التي تساند الكيان الصهيوني.

لم تكن دولة الإمارات قد بلغت الثانية من عمرها بعد، ولكن مواقفها الكبرى تلك رسخت مكانتها وهيأت لها وقفتها على أرضية صلبة لكي تقف عليها، وأن تلعب فيما بعد دوراً ريادياً في العالم العربي. هذا الدور لا زالت الإمارات تلعبه حتى الآن حينما تضع أمن دول الخليج وشبه الجزيرة في أجندتها الوطنية.

إنه حري بنا في كل مناسبة وطنية أن نركز على تجربة الآباء المؤسسين، ونقلها للجيل الجديد لكي يكتسب المعرفة، ويحترم الدور الكبير الذي قام به زايد ومعه جيل الآباء المؤسس من أجل ترسيخ دعائم الاتحاد وتقوية أركانه والتنازلات الكبرى التي قدموها من أجل الوطن. هذه القضية مهمة على صعد كثيرة منها تنمية الولاء للوطن والدفاع عنه وعن القيم التي يؤمن بها.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات