العالم إلى أين؟

كان لتصريح السيناتور الجمهوري بوب كوركر ضد الرئيس الأميركي دونالد ترامب دوي وصدى كبير محلياً ودولياً. فقد عبر السيناتور عن مخاوفه بأن ترامب يقود الولايات المتحدة إلى حرب عالمية ثالثة. وسبب التصريح يعود إلى الكلمات والتغريدات التي أطلقها سيد البيت الأبيض تجاه كوريا الشمالية وبرنامجها النووي.

ولا شك في أن حالة الاستقطاب الحادة التي تشهدها الولايات المتحدة اليوم تسهم في كثير من حالة الارتباك التي تعتري المشهد السياسي الأميركي الداخلي والخارجي. وقد عبر عن هذه الحالة أحد الكتاب، جوناثان راوش، في مجلة «ذا أتلانتيك» أن السياسة الأميركية أصبحت مجنونة وما لم تصلح الولايات المتحدة حالها سيتفاقم الأمر بشكل أكبر.

وعندما تعطس أميركا، كما يقال، يصاب العالم برشح. فعلى سبيل المثال، عندما حدثت الأزمة المالية بسب الرهن العقاري في الولايات المتحدة في2007 و2008 تسببت في تباعات على المستوى العالمي. وقد تضافرت جهود عالمية لتصويب الأسواق المالية والتي بدأت في التعافي أخيراً.

ولما كانت الولايات المتحدة على دفة النظام الدولي فإن الاختلالات التي شهدتها هذه الدولة منذ تأسيس النظام الدولي المعاصر برعاية أميركية بعيد الحرب العالمية الثانية، أثرت سلباً على استقرار النظام الدولي. وكما أشار ريتشارد هاس في كتابه أخيراً «عالم مبعثر» أن أزمة النظام القديم أدت بالضرورة إلى غضائض في النظام الحالي.

وبعد السقوط الكبير المدوي للاتحاد السوفيتي وانتهاء الحرب الباردة، تأمل العالم بحلول كثير من مشاكله مع انتهاء الاستقطاب العالمي. ومن المفارقة أن نهاية الاستقطاب الدولي صاحبها استقطاب محلي ونضحت إلى السطح نزاعات عرقية ودينية استفحلت وقادت إلى مذابح كبيرة في رواندا والبلقان.

كما أن الولايات المتحدة اشتدت فيها النزعة الحزبية حتى في السياسة الخارجية والتي كانت تحظى بتآزر كبير من كافة الأطراف السياسية في وجه عدو خارجي. وأصبحت السياسة الداخلية الأميركية معطلة. ومما زاد الطين بلة أحداث سبتمبر الإرهابية وما صاحبها من تصاعد في حدة الشعور القومي.

وقد فات الولايات المتحدة أن تؤسس لنظام جديد بعد هذه الأحداث حباً للانتقام من القتلة الذين فتكوا بالأبرياء. والأدهى والأمر أن المحافظين الجدد وجدوها فرصة لتطبيق أجندتهم الخيالية لخلق عالم في صورة الولايات المتحدة.

وقد قامت واشنطن بحملة عسكرية ضد أفغانستان لإسقاط نظام طالبان والذي آوى القاعدة ومهد لها السبيل للهجوم على الولايات المتحدة. ولم تأب الولايات المتحدة بغزو دولة دون تفويض من مجلس الأمن، رغم أنها كانت ستحصل عليه بكل تأكيد إذا ما طلبته. ومن وجهة نظر واشنطن أن بنية النظام العام قد تغيرت لصالحها وأن العوائق القديمة لم تصبح ملزمة بسبب لحظة القطب الأوحد الذي تتسيده الولايات المتحدة. كما أن الولايات المتحدة لم تكن تريد أن تؤسس لسابقة استئذان مجلس الأمن في حربها على الإرهاب.

وفعلاً قامت الولايات المتحدة بغزو العراق في 2003 دون أي غطاء شرعي عدا عن شكوكها بتملك العراق أسلحة دمار شاملة. وقد أراد المحافظون الجدد حينها تحويل العراق إلى واحة ديمقراطية في المنطقة يؤدي إلى تحولات كبيرة تغير المنطقة إلى مناطق نفوذ شاسعة لواشنطن وتؤمن فيها مصالحها النفطية وأمن إسرائيل.

وقد استنفدت المشاريع السياسية للمحافظين الجدد الكثير من الرأسمال السياسي الأميركي. وفشلت الولايات المتحدة في إيجاد أسلحة دمار شاملة في العراق أو في تحويل العراق إلى بلد ديمقراطي . والأنكى من ذلك أن العراق تحول إلى نظام طائفي ومرتعاً خصباً للإرهاب. ومع قيام داعش أصبحت أرض الرافدين تحمل سجل أسوأ نظام إرهابي عالمي فاق القاعدة وأخواتها.

بالإضافة للرأسمال السياسي الذي أسرفته إدارة بوش الابن، فإن التكلفة المالية لحروب بوش، وخاصة حرب العراق، وصلت إلى تريليونات. ثم تبعها أزمة مالية طاحنة عصفت بالعالم. وأصبح ربان سفينة العالم لا تحركه الوقائع بل الأهواء والأيديولوجية الضيقة.

ومع التخبط في مركز القرار العالمي برزت قوى أخرى مثل الصين وروسيا والتي رامت باتباع سياسات أحادية في إقليميها دون حساب للنظام الدولي. فروسيا بوتين غزت جورجيا وأوكرانيا واستلبت أراضيهما. كما قامت الصين بالتنمر على دول جنوب بحر الصين رغم محاولة الرئيس باراك أوباما إعادة التوازن في الباسفيك.

وليس هناك من أمل لاستعادة العالم لتوازنه، وليس هناك من دولة قائدة للعب دور في إدارة الشأن الدولي. وليس مبالغة أن أكبر إنجاز للنظام سيكون تفادي مواجهات دامية بين القوى الكبرى، مصداقاً للشاعر:

لقد طَوَّفتُ في الآفاقِ حَتّى رَضيتُ مِن الغَنيمَةِ بالإيابِ

طباعة Email
تعليقات

تعليقات