دول الخليج العربية والعراق الجديد

الزيارة التاريخية التي قام بها رئيس وزراء العراق حيدر العبادي إلى المملكة العربية السعودية في الأسبوع الماضي بعثت بعدة رسائل إلى الرأي العام الخليجي والعربي عموماً.

الرسالة الأولى مفادها أن دول الخليج لن تتخلى مطلقاً عن العراق وسوف يكون لها دور مؤثر في إعادة إعمار العراق الذي دمره الحرب وعاثت في جنباته المنظمات الإرهابية ومخططات التقسيم والتفتيت.

الرسالة الثانية مفادها أن دول الخليج العربية سوف تحتضن العراق الخارج من أزماته ولن تتخلى عنه لصالح دول كإيران وتركيا وغيرهما. والرسالة الثالثة مفادها أن وحدة العراق وسلامة أراضيه أولوية خليجية وعربية وأن استقرار العراق هو استقرار للمنطقة بأسرها. هذه الرسائل طمأنت الرأي العام العربي على العراق وعلى مستقبل العراق.

لقد مر العراق منذ العام 1990 وحتى الآن في منعطفات خطيرة كاد بعضها أن يؤدي إلى تدمير العراق نهائياً.

في البداية كان لمخططات صدام التوسعية ذات الآمال والطموحات السياسية الواسعة دور مهم في إبعاد العراق عن محيطه الخليجي بل وفي التخوف من إقامة أية علاقات معه.

وقد عانى العراق والعراقيون كثيراً من الحصار الذي فرض على العراق في أعقاب غزوه للكويت ومن إفرازات ذلك الحصار ونتائجه. وخلال فترة الحصار الدولي على نظام صدام لم تأل دول الخليج جهداً في سبيل مساعدة الشعب العراقي من خلال إرسال المساعدات الإنسانية.

فكانت حملات الإغاثة تخرج من موانئ الخليج حاملة الغذاء والأدوية إلى العراقيين بغض النظر عن مواقفها من نظام الحكم العراقي.

وفي أعقاب الغزو الأميركي للعراق في العام 2003 خضع العراق لمنعطف أخر خطير هدد وحدته السياسية ونسيجه الاجتماعي وأضعف من الحكومة المركزية وكاد ذلك المنعطف أن يؤدي بالعراق إلى منزلق خطير وخاصة فيما يتعلق بوحدته الاجتماعية وتنوعه العرقي والمذهبي.

فقد ظهرت تيارات سياسية وانبرت فرق تشيع الطائفية البغيضة التي هددت الوحدة الاجتماعية والنسيج الاجتماعي للعراق والتي تعايش معها لقرون.

ومنذ العام 2011 وحتى هذه اللحظة دخل العراق في أخطر منعطف له حيث أصبح يواجه الإرهاب والتطرف وتهدده النزعات الطائفية والمذهبية التي هددت ليس فقط امن العراق ولكن أمن منطقة الشرق الأوسط بأسرها.

خلال كل تلك المنعطفات التي مرت بالعراق تفاوتت ردة فعل دول الخليج الرافضة لتقسيم العراق والحريصة على وحدته وتماسكه القومي، ولم تشأ أن تدع العراق يواجه أزماتة منفرداً.

ففي حين أنها تعاملت بحذر مع كل مخططات التقسيم التي نادى بها حتى بعض العراقيين أنفسهم إلا أنها وقفت أيضا مع العراق الموحد ومع الحفاظ على حقوق الأقليات الموجودة في العراق وحقها في العيش المشترك.

إن دول الخليج اليوم وهي تحتضن العراق القادم إليها من رحم الآلام ومن جحيم مخططات الفرقة والتقسيم والانفصال تحضنه بشوق وبرغبة قوية في انتشاله من كل المخططات الأجنبية الرامية إلى تقسيمه وبالتالي السيطرة عليه.

لقد نجح العراق في الخروج من أزمته بفضل دعم أشقائه من دول الخليج كالمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات والكويت التي تناست كل خلافاتها من اجل عراق موحد يكون سنداً للأمة العربية.

فالعراق لن ينسى وقوف أشقائه معه خاصة في محنة استفتاء وانفصال إقليم كردستان والتي كانت تمهد لانفصال أقاليم أخرى وبداية تقسيم العراق إلى دويلات صغيرة تسهل تغلغل الأطماع الأجنبية ونشر الفوضى في المنطقة كلها.

إن العراق اليوم يحتاج إلى كل الدعم السياسي كما يحتاج إلى الدعم الاقتصادي والتقني للخروج من أزمته والدخول في مرحلة تنموية جديدة. ولن يكون ذلك سهلاً دون مساعدة الأشقاء في الخليج والذين تربطهم مع العراق روابط الجوار والمصير المشترك. كما لن يكون ذلك الخروج ممكناً دون مساعدة دولة الإمارات بالاستثمار المباشر في العراق وفي مد العراق بالتقانة اللازمة والإدارة الاقتصادية المتميزة التي تساعد العراق في استعادة مكانته العربية.

العراق ينتظر اليوم من أشقائه في دول الخليج العربي الوقوف معه في قضية إعمار العراق الذي دمرته الحروب والمناوشات والإرهاب والطائفية البغيضة التي زرعت الكثير من الألغام في حقل التماسك الاجتماعي وهددت النسيج الاجتماعي للعراق الموحد.

لقد كان دحر الإرهابيين واستعادة كامل الأراضي العراقية نصراً للعراق الجديد، أما النصر الثاني هو نجاحه في كسر ذلك الجمود الذي خيم على علاقاته السياسية مع جواره الخليجي العربي لعقود.

إن عودة العراق إلى جواره الخليجي العربي هو مكسب للخليج العربي ومكسب آخر للعراق الجديد.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات