00
إكسبو 2020 دبي اليوم

التعليم أولاً.. مهما كان باهظ الثمن

احتفت دولة الإمارات قبل فترة بيوم المعلم من خلال مؤسساتها الثقافية والاجتماعية وصحافتها ووسائل إعلامها تقديراً واعتزازاً بعطاء المعلم والمسؤولية الجسيمة التي يتحملها تجاه الحاضر والمستقبل.

وكنت كثيراً ما أصف الأم بالوطن الصغير؛ فهي التي تربي الطفل وتزرع في نفسه القيم والآمال والأحلام لكي يشب وعنده رغبة في أن يكون شيئاً ما. أما المدرسة فهي الوسيط بين الوطن الصغير (الأم) والوطن الأكبر وطنه.

هذه الحلقة المهمة ولكل المراحل العمرية في سن الدراسة هي في غاية الأهمية بالنسبة لصناعة الإنسان، وعلى المعلم مسؤوليةٌ ودور مهم وواضح خلالها؛ فالمعلم ليس مجرد شخص يقدم المعلومات للتلميذ أو الطالب ويمتحنه آخر الفصل.

هو أكثر من ذلك بل وأعظم من ذلك، هو من يمسك بعجينة التلميذ ويشكلها في مسارات متعددة؛ المسار الأول: تحبيبه للعلم وتشويقه له كي يقبل عليه إقبال الجائع على الطعام وإقبال الظمآن للماء، وأن يغرس في البعض التطلع العلمي ليكون عالماً وفي البعض الآخر التطلع الثقافي ليكون كاتباً أو أديباً أو فيلسوفاً، أي حسب ما يرى في الطالب من ميول ومواهب وقدرات.

والمسار الثاني: هو أن يبني المعلم في الطالب شخصيته الإنسانية والقيمية بأن يتحلى بالأخلاق السمحة الرفيعة وأن يقول الحقيقة ولا يجامل وأن يكون واثقاً من نفسه ومن قدراته، وأن يكون شجاعاً ومؤدباً ونموذجاً وقدوة.

أما المسار الثالث والمهم فهو أن يغرس في نفسه اعتزازه بهويته الوطنية وأن يكون وفياً للوطن الذي عاش فيه أهله وأجداده وفيه أمجاده وخيراته إن كان مواطناً، وإن لم يكن فعليه الوفاء لوطن يعيش فيه بأمان ويتعلم فيه ويكبر ليصبح آمناً على مستقبله حين يمسك شهادته العلمية بيده، فهو يعيش في وطن الإنسانية والتسامح، ومن أجمل ما يجبل عليه الإنسان هو الوفاء.

وقد تداولت مواقع التواصل منذ فترة تجاوز بعض الطلاب على أساتذتهم، ولا يخلو بلد عربي في السنوات الأخيرة من هذه الظاهرة المؤسفة، والسبب ضعف الإدارة المدرسية وضعف المعلم، بل المعلم له النصيب الأكبر في ذلك، فشخصية المعلم تنعكس على احترام الطالب أو استهانته به، وهذه الشخصية لا بد من أن تكون ذات هيبة، وتستمد هيبتها من عدة نواحٍ؛ منها العلم الذي يحمله المعلم والأدب والذكاء وحبه للمهنة وحبه للطلاب ودقته في الحضور إلى الفصل وتعامله الأبوي وشفافيته وأسلوبه الشيق في التعليم، وحتى مظهره ونظافته وأناقته.. كلها معايير تؤشر للطالب أو التلميذ قيمة هذا المعلم.

ومثلما على المعلم واجبات، له حقوق وعلى الدول التي تريد تعليماً نوعياً ينهض بالأجيال، أن تعطي امتيازات نوعية للمعلم؛ فمهنته كمهنة القائد، نعم؛ فهو يقود مجموعة من الطلاب وعلينا أن نجعل منه قائداً ناجحاً من خلال ما نوفره له من سبل العيش الكريم والتدريب المتواصل والتكريم إن تميز في عطائه.

ولا ننسى رد رئيسة وزراء ألمانيا ميركل حين احتج عليها القضاة والأطباء والمهندسون لأنها جعلت معاش المعلم أعلى منهم فقالت بالحرف الواحد: «كيف أساويكم بمن علموكم؟».

نحن في دولة الإمارات نفخر بالجهود والمساعي التي تبذلها قيادتنا الرشيدة من أجل تطوير قطاع التعليم وإعطائه الأهمية التي يستحقها عاماً بعد عام، بدءاً من توجيهات والدنا الشيخ زايد رحمه الله حين قال: «إن تعليم الناس وتثقيفهم في حد ذاته ثروة كبيرة نعتز بها، فالعلم ثروة ونحن نبني المستقبل على أساس علمي». وما سارت عليه القيادة الرشيدة وما أبدعته من قوانين وإنجازات ثقافية وتربوية لا تعود على الطالب الإماراتي فحسب بل وعلى طلابنا العرب في كل البلاد العربية، ولعل مشروع صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم (تحدي القراءة العربي) أحد الشواهد على ذلك.

كما سعدنا ببرنامج مئوية الإمارات الذي أطلقه أخيراً صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد مع أخيه صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد بإعطاء التعليم الأهمية التي يستحقها والتأكيد على بناء الأجيال بناءً علمياً وابتكارياً وإبداعياً متسلحين بالقدرة على البناء والعطاء اللامحدود لوطنهم وأمتهم، وسيبقى هذا الإشعاع العلمي والثقافي والتعليمي لدولة الإمارات أحد مفاخرها ومسالك عزها، وعلى من فاته أن يستفيد من هذه الحقائق من بلداننا العربية أن يقتدي بدرس الإمارات، ولا حجة لهم في إهمال التعليم والمعلم. وأختتم بقول أحد الفلاسفة: «إذا كنت تعتقد أن التعليم باهظ الثمن فلتجرب الجهل».

طباعة Email