الأزمة الخليجية ومستقبل مجلس التعاون

يُعلّق الكثير من الخليجيين، أهمية كبيرة وثقلاً هائلاً على الاجتماع القادم لمجلس التعاون، والمزمع عقده في الكويت قريباً. أهمية هذا الاجتماع تتنامى لسببين، أولهما أنه سوف يكون حاسماً في موضوع رد قطر إلى صوابها، والقبول بالإجماع الخليجي الذي نص عليه ميثاق مجلس التعاون عند إنشائه، والسبب الثاني، أنه سوف يطمئن الرأي العام الخليجي على مستقبل المجلس، ويضعه على بينة بتطور الأحداث في الخليج، وبداية إيجاد مخرج للأزمة الخليجية التي طال أمدها.

إن قبول الجميع بحضور هذا الاجتماع، هو في حد ذاته دليل على رغبة قطر على عدم الانفصال عن الجسم الخليجي، هذا الانفصال الذي كانت أسبابه واضحة، ألا وهي تمويل قطر للمنظمات الإرهابية، واحتضانها لبعض قيادات الإرهاب في قطر، الأمر الذي رمى ظلالاً سوداء على مستقبل مجلس التعاون الخليجي.

الجدل الذي كان يدور في الخليج وفي الخارج، كان ثقيلاً بعض الشيء على الأذن الخليجية، التي طالما تغنت بالإجماع الخليجي، وافتخرت به، وكانت ترى فيه الأمل، كل الأمل، كضامن لمستقبل دول الخليج العربية، وكمنظومة استطاعت خلال العقود الثلاثة والنيف، أن تتحدث باسم دول الخليج، وتمثلهم في المحافل الدولية. البعض يرى أن مجلس التعاون الذي يضم دول الخليج الست قد انتهي، وذلك بخروج عضو من أعضائه على الإجماع الخليجي بصورة لا تمت إلى التعاون والتشاور الذي يجب أن يكون عليه الرأي الخليجي، والبعض الثاني يرى أن خروج عضو من المنظومة لا يؤثر في عمل المنظومة، كونها غير ملزمة للعضو بالبقاء فيه مدى الحياة.

أما البعض الثالث، فقد كان أكثر سوداوية، حيث كان يرى في التمرد القطري، على رأي الأغلبية، بداية النهاية لعمل المنظومة الخليجية، والتي هي في واقع الحال منظومة تعاون لا أكثر. وبما أن ذلك التعاون والتشاور لم يعد موجوداً، فهذا يعنى نهاية تلك المنظومة. كما يمضى هذا التيار بقوله إن مثل هذه المنظمات الإقليمية ثبت عجزها عن القيام بمسؤولياتها، ويقدم الدليل تلو الآخر في القضايا التي عانى منها الخليج، كقضية احتلال الكويت، وفي الخلافات الثنائية بين دول الخليج، وفي إيجاد مخرج للأزمة القطرية الحالية.

إن اجتماع الكويت يجب أن يكون محورياً وجاداً، يعكس الرغبة الحقيقية، لا لمعاقبة قطر على مواقفها السابقة، ولكن لتبيان الرغبة الحقيقة في رد قطر لصوابها، حماية لأمن قطر وأمن شعبها. فمواقف قطر السابقة لا تعكس في واقع الأمر، موقف الشعب القطري، ولا موقف الغيورين على مصلحة قطر، بل تعكس رغبات فردية، تنشد الطموح السياسي والرغبة في التفوق على الآخرين في مواقف فردية وديكتاتورية.

إن أقسى قرار سوف يسمعه أهل الخليج، هو خروج قطر من المنظومة الخليجية، وهو قرار لا يعكس رغبة دول الخليج ولا أولئك الغيورين على المصلحة الخليجية، بل يعكس رغبة خصوم الخليج والمشككين في استمرارية مجلس التعاون، لما في ذلك من تهديد لهم. لهذا، يأمل أهل الخليج في أن تجتمع القلوب والرؤى، وتذهب إلى الكويت بنفسية طيبة، ورغبة حقيقية في إيجاد مخرج للخلاف بين الأشقاء.

إن أهل الخليج يأملون أن ترجع قطر إلى صوابها، وألا تكون سبباً في انهيار هذه المنظومة التي يتباهى بها أهل الخليج. كما أن أهل الخليج يضعون الأمل في شعب قطر، كي يمارس ضغطاً على قيادته للخروج من هذه الأزمة بأقل الخسائر السياسية والاقتصادية الممكنة.

فأهل الخليج لا يريدون لقطر إلا الخير، كما أنهم لا يريدون لقطر أن تغرد خارج السرب الخليجي. فلا أحد يريد أن يخضع قطر، ولا أحد يريد أن يسلب قطر استقلاليتها وحريتها في اتخاذ القرارات التي تخصها. ولكن الجميع يريد لقطر أيضاً أن تلتزم بالميثاق الخليجي، ما دامت عضواً في هذه المنظومة. وفيما لو أرادت قطر الخروج، فلا أحد سوف يجبرها على البقاء، ولكن دون أن تسبب أضراراً جسيمة سياسية وأمنية واقتصادية للأعضاء الآخرين.

وها نحن نرى بريطانيا تنسحب من الاتحاد الأوروبي، بعد أكثر من خمسة عقود بعد استفتاء شعبي. ولكنها سوف تخرج بعد أن تدفع فاتورة انفصالها عن الاتحاد الأوروبي، وبشروط مسبقة، حتى لا يؤدي ذلك الخروج إلى نتائج كارثية على الاتحاد الأوروبي. إذاً، فخروج قطر، فيما قرر شعبها الخروج، يجب أن يكون خروجاً مقبولاً، لا خروجاً من طرف واحد، يقرره فرد واحد.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات