إنترنت الأشياء والشبكة الدلالية

لم تستطع اللغات التي يتحدثها الإنسان أن تصل إلى ابتكارها الذي اصطلح على تسميته بالحقول الدلالية semantic field إلا في العصر الحديث فقط، ولعل البدايات الأولى لهذا المصطلح قد تبلورت وتشكلت في المنهجية التي اتبعها الخليل بن أحمد الفراهيدي في معجم العين، وبالمقارنة مع تكنولوجيا اليوم فإن ثورة الإنترنت استطاعت في فترة وجيزة أن تحقق ما اصطلح على تسميته في جيلها الثالث بـجيل الإنترنت الدلالي «semantic web»، ويُقصد بذلك توافر أدوات إنترنت، مثل محرّكات البحث، تُعنى ببناء روابط بين المفاهيم، ودلالة المفردات، لتحويل البيانات غير المهيكلة، أو شبه المهيكلة إلى بيانات مهيكلة، يسهل استخدامها ومعالجتها.

من هنا تبلورت الفكرة بشكل أعمق، وظهر تبعاً لذلك ما سمي «إنترنت الأشياء».

ويعرف إنترنت الأشياء، الذي كان ظهوره نتيجة طبيعية لما أحدثته ثورة الإنترنت في جيلها الثالث تحديداً «الإنترنت الدلالي»، الجيل الجديد من الإنترنت (الشبكة) الذي يتيح التفاهم بين الأجهزة المترابطة مع بعضها (عبر بروتوكول الإنترنت)؛ وتشمل هذه الأجهزة الأدوات والمستشعرات والحساسات وأدوات الذكاء الاصطناعي المختلفة وغيرها، ويتخطى هذا التعريف المفهوم التقليدي وهو تواصل الأشخاص مع الحواسيب والهواتف الذكية عبر شبكة عالمية واحدة، ومن خلال بروتوكول الإنترنت التقليدي المعروف.

وأهم ما يميز إنترنت الأشياء هو تحرر الإنسان من المكان أثناء ممارسته للتحكم في الأدوات والأجهزة.

ويقدم إنترنت الأشياء بعض الحلول المفترضة لتسهيل حياة الإنسان، وتعزيز الإنتاجية، وتحجيم الكلفة الاقتصادية، فمثلاً عند اتصال السيارة بإنترنت الأشياء، تحول السيارة البيانات إلى معلومات معمقة جاهزة للاستخدام داخلها، كما في العالم الذي يحيط بها، ومن خلال إنترنت الأشياء يمكن للأجهزة التي لا تعد ولا تحصى والمتصلة بشبكة الطاقة مشاركة المعلومات في الوقت الفعلي لتوزيع الطاقة، وإدارتها بطريقة أكثر فعالية، وتحول إنترنت الأشياء معالم الرعاية الصحية بدءاً من التقنيات السريرية القابلة للارتداء مروراً بالأجهزة اللوحية للمستجيب الأول وصولاً إلى المعدات الطبية المناسبة للجراحات المعقدة، وتمكّن إنترنت الأشياء مصانع اليوم من الاستفادة إلى أقصى حد من الفعالية التشغيلية، وتحسين الإنتاجية، ورفع مستوى أمان العامل، وبالنسبة إلى بائعي التجزئة، يقدم إنترنت الأشياء فرصاً لامتناهية لزيادة فعالية سلسلة الإمداد وتطوير خدمات جديدة، وتغيير معالم تجربة العميل، ويعمل على معالجة تكاليف الطاقة والاستدامة والامتثال للقوانين المتزايدة من خلال توصيل الأجهزة التي تجمع البيانات من الأنظمة الأساسية وإدارتها وتأمينها، وتحول تقنية إنترنت الأشياء حلم المنزل الذكي الآمن إلى حقيقة، بدءاً من التعرف إلى صوتك ووصولاً إلى معرفة من يقف أمام الباب، ويمكن أن ينقذ حياة الأشخاص، ويحد من حركة المرور، ويخفف تأثير السيارات على البيئة، بدءاً من السيارات المتصلة أو السيارات ذاتية القيادة، ووصولاً إلى النقل الذكي وأنظمة الخدمات اللوجستية..

وأمام هذه الثورة فإن معظم دول العالم لم تبدأ بعد رسم سياساتها تجاه التعامل مع إنترنت الأشياء والإفادة القصوى منها في بناء مجتمع المعلومات واقتصاد المعرفة، لكن بالمقابل فإنه وكلما بدأ الاهتمام الحكومي مبكراً، سَهُل تنظيم الاستخدام المفيد لإنترنت الأشياء من قبل المواطنين والمؤسسات في عالم اقتصاد المعرفة ومجتمع المعلومات، وكلّما تأخر ذلك الاهتمام، صعبت عملية إدارة ومتابعة ظاهرة إنترنت الأشياء ومن الأمثلة على ضرورة الاهتمام المبكر بهذه الظاهرة موضوع الخصوصية (أفراد ومؤسسات)، وموضوع إعادة تعريف الحقوق المدنية، وموضوع البيانات المفتوحة والبيانات الضخمة، والحوسبة السحابية، والنقود الإلكترونية، وسياسات الاستثمار في البنية الأساسية (التحتية) والبنية الفوقية، وأهم من ذلك سياسات التعليم ومحو الأميّة الحاسوبيّة، وغيرها من المواضيع المستجدة؛ كما لا تخفى التحديات التي ترافق الاستخدام الواسع لإنترنت الأشياء، مثل اختفاء بعض الوظائف الخدمية، والتي يتطلب تعويضها إيجاد فرص عمل في مجالات جديدة، ومهارات مناسبة؛ وهذا من شأنه تحفيز الحكومات على إيلاء التدريب والتأهيل الاهتمام الكافي.

أما المطلوب من الحكومات في كل الدول، فهو التوسع في تعزيز البنية الأساسية والفوقية للإنترنت، وخاصة في ما يتعلق بمورد بروتوكول الإنترنت في الدولة؛ ينبغي مثلاً على إدارات الإنترنت تسريع الانتقال إلى بروتوكول الإنترنت (IPv6) الذي يضاعف عدد عناوين الإنترنت التي يمكن إسنادها إلى الأشياء، إذ إن البروتوكول (IPv4) يوفّر عدداً محدوداً من العناوين التي لا تكفي الأشياء الممكن ربطها على الإنترنت؛ وعلى الشركات المعنية بالاتصالات الإسراع في تحديث مقاسمها لتزويد خدمات الجيل الرابع والخامس من خدمات الهاتف النقّال. وللحديث بقية.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات