الفجوة السكانية في دول الخليج

تعد دول الخليج أنموذجاً للمتغيرات الديمغرافية المعاصرة من حيث إنها مجتمعات جاذبة لقوى العمل الذكورية الشابة لما تتمتع به دول الخليج من عناصر مهمة كالاقتصاد النابض بالنشاط والحركة ويتمتع بالديناميكية وسرعة التغير.

ونظراً لما لهذه العناصر من انعكاس على الحراك السكاني لذا نجد أن توفر هذه العناصر في أي مجتمع يعد دليلاً على تمتع ذلك المجتمع بحراك سكاني نشط وقدرة على جذب الهجرات الخارجية والكفاءات وصهرهم بقوة في حركة الاقتصاد.

ولهذه الخاصية العديد من الإيجابيات، كما أن لها سلبيات.

أما الإيجابيات فتكون في شكل سهولة توافر القدرات والعقول والكفاءات التي جاءت إلى تلك البلدان يجذبها إغراء الامتيازات التي توفرها، بالإضافة إلى الفرص الاقتصادية الجيدة وتحسين مستوى الحياة.

أما السلبيات فمنها ما ينعكس على المجتمعات المضيفة على شكل إفرازات اجتماعية وظواهر اجتماعية وأمنية مقلقة في بعض الأحيان.

بالإضافة إلى هذه التحديات فإن دول الخليج تعد أنموذجاً جيداً للاتجاهات السكانية المعاصرة، والتي تضم مظاهر وخصائص وأبعاداً عدة، منها الجنس والعمر ومكونات سوق العمل والمتطلبات الحياتية لتلك الشريحة من البشر. والملاحظ بصورة عامة أن الهجرات الخارجية لدول الخليج خلقت على المدى الطويل فجوة سكانية كبيرة بينها وبين المكون الأصلي للبلد.

وعلى الرغم من أن جميع بلدان العالم أصبحت تواجه التحديات نفسها بسبب عدم وجود حواجز حقيقية خاصة فيما يتعلق بحواجز سوق العمل، والبحث عن كفاءات جيدة والسعي نحو توظيفها أو تسويقها، إلا أن دول الخليج لا تزال تعد في هذا الأمر خارجة عن المألوف. ويكمن الفرق في أن معظم دول العالم، خاصة الصناعية منها، لا يوجد فيها تلك الفجوة الكبيرة بين المكون الأصلي، أي سكان البلاد الأصليين، وبين تلك الهجرات الوافدة إلى سوق العمل، وبالتالي ليس عندها تلك الهواجس المقلقة بشأن ديمومة العمالة أو ذهابها.

بالإضافة إلى تلك الهواجس الاقتصادية، فليس لدى الدول الأخرى تلك الهواجس الأمنية، التي يمثلها وجود طوفان بشري لا ينتمي إلى المكون الأصلي لا من الناحية الديمغرافية أو العقدية ولا الناحية الثقافية أو الاجتماعية.

إن دول الخليج اليوم وهي تحتضن المئات من الأجناس والأعراق إنما تحتضن أيضاً المئات من الثقافات والهويات، التي سوف تصبح يوماً ما جزءاً من ثقافة هذه البقعة من الأرض ومن ثقافة الأجيال القادمة، وذلك لأن المعطيات التاريخية والاجتماعية تتطلب أن تنصهر هذه المجموعات العرقية في المكون الأصلي لتعبر عن عمق العلاقة بين الأرض والقادمين إليها.

ولهذا السبب تبرز دول الخليج كأنموذج جديد ومثير يستحق الدراسة بالنسبة للآخر، وخاصة في العقود القليلة المقبلة.

من جهة أخرى فإن دول الخليج لما لها من خصوصية حضارية فإنها تمثل مجتمعات ذكورية، حيث أثبتت الدراسات أن معظم المهاجرين والباحثين عن عمل هم من الذكور وفي سن الشباب.

وهذا في حد ذاته يمثل تحدياً كبيراً بالنسبة لدول الخليج، ليس فقط من ناحية اقتصادية كتوافر فرص العمل وامتصاص كل العمالة، ولكن من ناحية التنافسية ومن النواحي الأمنية، ومن نواحٍ تنموية أخرى، لما لهذه الشريحة من متطلبات تنموية معروفة.

إن قضية الفجوة السكانية الكبيرة بين المكون الأصلي والوافد، وعلى الرغم من كثرة الدراسات حولها، إلا أنها لم تعالج معالجة جذرية ولم تدرس أبعادها دراسة أمنية واجتماعية وسكانية كافية. والأسباب معروفة وواضحة تكمن في أن الحل المنطقي لها هو الزيادة الطبيعية.

وبما أن هذه الزيادة بطيئة للغاية إذاً فلا حل إلا بالتقليل من المكون الخارجي، الأمر الذي يعده البعض هو الآخر صعباً، نظراً للسرعة التي تسير بها حركة التنمية الاقتصادية، وإيجاد بعض الحلول كإدخال التقنيات الحديثة محل العنصر البشري.

وقد تداركت بعض دول الخليج هذه القضية، فسارعت بتبني هذه الاستراتيجيات التنموية التي تستطيع من خلالها الحد من الانحرافات الديمغرافية الحادة دون التأثير على حركة الاقتصاد. هذا الأمر مطلوب من كل دول الخليج التي تقف اليوم على مفترق طريق لتختار إما طريق التوازن في مخططات التنمية المستقبلية، وإما طريق الانحدار ببطء نحو بروز مجتمعات هجينة لا هوية لها ولا مستقبل.

إن دول الخليج تواجه العديد من التحديات منها ما هو سياسي ومنها ما هو أمني، ولكن يبدو أن مشكلة الفجوة السكانية تعد القضية الأكبر، فمن دون إيجاد الحلول لها لا يمكن اجتراح حلول للمشكلات الأخرى.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات