«البيتكوين» وإلغاء المركزية النقدية

عرف الاقتصاد المالي في تاريخه أنظمة مالية متعددة، لعل أقدمها هو نظام المقايضة، ورغم التعاملات المالية الواسعة من خلاله، إلا أنه لم يكن اقتصادياً حسابياً صرفاً، فقد كان مرتبطاً باللغة وتصريفاتها. وكانت لهذا النظام ميزات أهمها عدم وجود مركزية يحتكم إليها وبالمثل كانت له بعض العيوب وتمثلت في صعوبة إيجاد مقياس واحد للتبادل السلعي، وعدم توافق رغبات البائع والمشتري في وقت واحد، وصعوبة توافر وسيلة عامة صالحة لاختزان القيمة، وكذلك صعوبة توافر وحدة مناسبة للدفع الآجل، وأيضاً صعوبة تجزئة بعض السلع.

واستمرت التعاملات المالية بالمقايضة حتى ظهرت العملة النقدية المعدنية المصنوعة من الإلكتروم (خليط من الذهب والفضة والنحاس) والتي بدأ التعامل بها في القرن السادس قبل الميلاد، واستمر التعامل بها لفترة زمنية طويلة جداً حتى ظهر إلى جانبها نظام العملات النقدية الورقية بعد اختراع الطابعات، لكن هذه العملة الجديدة عملت على تلاشي وانحسار ما سواها بما في ذلك العملات المعدنية وبالمقابل حُلت بهذه العملات النقدية كل مشاكل الأنظمة المالية القديمة وأهمها مشكلات نظام المقايضة لكنها ورغم ذلك أسست لمركزية نقدية؛ وقد ظلت هذه الأنظمة النقدية تتطور، حتى ظهر الاقتصاد النقدي الرقمي الذي أوجدته تداعيات طفرة التكنولوجيا في العصر الحديث، فجعلها تتخذ منحى آخر، يشبه منحى اتجاه الصحافة الورقية إلى الصحافة الرقمية.

وجاءت هذه التوجهات نحو الاقتصاد النقدي الرقمي لتؤدي مهمة عظيمة وتجمع بين ميزتين مهمتين إحداهما كانت سمة بارزة في نظام المقايضة وهي عدم وجود مركزية نقدية والثانية هي حماية التعاملات النقدية الرقمية من عمليات التزييف والتي كانت أحد عيوب النظام النقدي الورقي.

وبحسب مبادئ سنة التغيير فإن الحكم على أي مجتمع بأنه متحضر يتم من خلال قدرته على التكيف مع التطورات والتغييرات التي تفرضها عليه معطيات العصر ومخرجات العلم، تماماً مثلما تفرض التكنولوجيا الحديثة التوجه نحو التغيير الحتمي نحو العملة الإلكترونية، وفرض التعامل بها.

ووفقاً لمبادئ النشوء والتطور فقد جاءت فكرة الاقتصاد الرقمي كتطور لأفكار سابقة في عالم الاقتصاد المالي، وهي لا تختلف كثيراً عن أسواق البورصة التي عبّدت الطريق وسوغت كثيراً للحديث عن العملة النقدية الرقمية، وحالياً تتجه البورصات العالمية نحو استيعاب العملات الرقمية، وتعمل على إعداد لوائح تنظم سير عملها في أسواق البورصة.

ولعل الجدير بنا أن نتوقف هنا بعد هذه التوطئة لنتحدث عن تاريخ الاقتصاد الرقمي والعملات النقدية الرقمية والتي تعود أصولها إلى العام 1990 متزامنةً في ذلك مع بدايات الطفرة التكنولوجية، وكان من أوائل هذه المنتجات الذهب الإلكتروني الذي بدأ شق طريقه في الأسواق الرقمية عام 1996.

بعد ذلك برزت في التكنولوجيا وسائل نقدية رقمية جديدة مع تعريفات لها قدمتها المؤسسات المالية الدولية منها أنها نوع من الأموال الرقمية غير المنظمة، والتي يسيطر عليها عادةً المطورون، ويتم استخدامها وقبولها بين أعضاء مجتمع افتراضي معين، ووصفها تعريف آخر بأنها وسيلة للتبادل الاقتصادي تعمل كعملة في بعض البيئات، ولكنها لا تملك جميع خصائص العملة الحقيقية.

ثم صيغت لها توصيفات أوضح ورسمت لها خرائط عمل راعت كل التغييرات التي حدثت إزاء التعاملات بها، فسميت هذه العملات بالعملة المعماة لأنها تقوم بفعل التعمية فلا يستطيع أحد تزويرها أو التلاعب بها وتمثل ممتلكات رقمية، وتصدر من خلال برنامج مكتوب بلغة برمجية مشفرة متفق عليها عالمياً، ما يجعل من محاولة التلاعب بها أمراً أشبه بالمستحيل.

وقد كانت أول عملة معماة صدرت بهذا المعنى الواضح وهي «البيتكوين» في عام 2009 ثم نافستها في الأسواق عملة لايت كوين ونيم كوين وغيرهما.

ومن خلال الملمح الأهم في التعاملات المالية الرقمية هذا والمسمى «البيتكوين» والذي ظهر كنتيجة طبيعية لإلغاء المركزية النقدية للعملة الورقية، ونتيجة أيضاً طبيعية لمتطلبات العالم الرقمي وتطوراته السريعة، ومن خلال توسع هذا النظام وتطوره، كان لا بد من أن يعمل الاقتصاد الرقمي ويمثله «البيتكوين» بشكل متوازٍ مع تطور الشبكات الرقمية، واستجابة لتغيرات عالم التكنولوجيا، لكن ورغم ذلك فإنه رغم القفزة العظيمة التي حققها في أسواق البورصة والنقد الرقمي لا يلغي تماماً تعاملات العملات الورقية بل لا يستطيع ذلك.

إن ثمة مبادرات جادة قد طرحت خلال السنوات الأخيرة في دول عدة حول مشروع المحفظة النقدية، لتسهيل التعاملات النقدية الإلكترونية للأفراد وتعتبر ألمانيا أول دولة في العالم تشرع التعامل بالعملات الرقمية وتفرض الضرائب عليها.

وفي الجوانب المثمرة في هذا النظام الاقتصادي يمكن القول إن الحافظات النقدية الرقمية هي الوجهة الحقيقية والبوابة الأوسع لتنمية الاقتصاد المعرفي والاستثمار الثقافي إذ وبقدر ازدهار التعاملات النقدية الإلكترونية فإن حجم اقتصاديات المعرفة وأسواقها سيكون مزدهراً لا محالة لأن المادة الرقمية موجودة في متناول الناس متزامناً مع اعتيادهم على تدبير أمور حياتهم عبر الشبكة الافتراضية، فيكون توجه كل صاحب علم ومعرفة نحو هذا السوق محققاً لحالة تفاعل اقتصادي حقيقي وبين كل وقت ووقت ستضخ هذه الأسواق دماء جديدة في كل المجالات ولها مستقبل مشرق حتماً. وللحديث بقية

* مستشارة اقتصاد معرفي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات