الاتجاهات العامة للإرهاب

لازال الإرهاب يسيطر على اهتمامات العالم رغم ما يعتري العالم من تهديدات وتحديات من كوريا إلى فلوريدا. ورغم أن الإرهاب كان حاضراً في واقعنا اليومي منذ ردح من الزمن إلا أنه بدأ يأخذ أبعاداً وأوجهاً تهدد كيانات الدول والمجتمعات.

وهناك عدة دول في العالم تعاني من شرور الإرهاب والعنف السياسي إلا أن منطقة الشرق الأوسط تعاني منه بدرجة أقوى. ولعل المنطقة لأسباب تاريخية ودينية وحضارية والآن اقتصادية وسياسية أصبحت مرتعاً للتدخلات والاهتمامات الخارجية. أو أن انعدام الأمن وتفشي ظاهرة الإرهاب فيها أدى إلى تداعي الدول الكبرى عليها.

وتتابع مراكز البحوث والرصد التطورات الجديدة في موضوع الإرهاب. وهناك مراكز ووحدات تتابع هذه المسألة بكثير من الاهتمام والتحليل. ومنذ العمليات الإرهابية في الحادي عشر من سبتمبر، تزايد الاهتمام بقضية الإرهاب، بل ورصد ميزانيات كبيرة لمكافحة ودراسة آفة العصر.

وأنشئت في الجامعات والمعاهد دراسات حول موضوع الإرهاب والأمن الوطني. وبدأ هذا التخصص يزدهر مع دراسة اللغات الأجنبية، وخاصة اللغة العربية في إطار فهم الخصم وثقافته ورصد تحركاته ومحادثاته.

ورغم كل هذه الميزانيات ومراكز البحوث والمتخصصين في مجال الإرهاب والعنف السياسي، إلا أنه ليس هناك إجماع على ما هو الإرهاب. فكثير من الدراسات حول الاتجاهات العامة للإرهاب لا تشمل الإرهاب التي تمارسه الدول ضد المدنيين مثل سوريا أو حالة المسلمين الروهينغا في ميانمار. ولا شك فإن أية دراسة حول هذا الموضوع سيشوبها كثير من التحديات إن لم نقل العوائق.

وقد قام الباحث الاستراتيجي أنثوني كوردسمان بدراسة مفصلة حول «الاتجاهات العالمية للإرهاب 1970-2016»، والتي نشرها مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في 28 أغسطس 2017. وتحاول الدراسة المستفيضة رصد كل الاتجاهات حول موضوع الإرهاب في عدة عقود مضت بكثير من التفاصيل.

وحسب ما جاء في التقرير فإن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وجنوب آسيا هي مركز النشاط الإرهابي العالمي. ويليها أفريقيا والتي شهدت تزايداً في الأعمال الإرهابية. وحسب ما جاء في التقرير فإن عدد الأعمال الإرهابية في العالم بلغ 170,350 حالة منذ 1970. وقد استحوذت المنطقة العربية على النصيب الأكبر، حيث بلغ عدد العمليات الإرهابية 46511. بينما بلغت العمليات الإرهابية في جنوب آسيا 41497 عملية. وبلغت العمليات الإرهابية في أفريقيا 15491.

ولكن الأهم في ذلك فإن الاتجاه العام للإرهاب في تصاعد مستمر في هذه المناطق رغم ما تعلمت وما كسبت أجهزة مكافحة الإرهاب من خبرات. وعلى ما يبدو فإن محاربة طاعون العصر سيحتاج أجيالاً للقضاء عليه. ولعل الإطار النظري والمفاهيم التي صيغت في مكافحة الإرهاب تحتاج إلى مراجعة دقيقة ومنهجية أكثر صرامة. ومما يؤكد عليه التقرير أن هناك أوجهاً كثيرة من القصور تتعلق بجمع وتفنيد المعطيات ودرجة مصداقيتها الوثوق من مصادر المعلومات.

ولكن السؤال الذي يظل يحير الألباب هو كيف ينتهي الإرهاب؟ ففي مقالة بمناسبة الذكرى السادسة عشرة للعملية الإرهابية في الحادي عشر من سبتمبر 2001، كتبت الصحفية المخضرمة وصاحبة الباع الطويل في قضايا الشرق الأوسط، روبن رايت، مقالة في مجلة «النيويوركر»، بعنوان «ستة عشر عاماً بعد الحادي عشر من سبتمبر: كيف ينتهي الإرهاب؟». وللإجابة عن هذا السؤال قامت الصحفية باستعراض آراء كثير من الخبراء في مكافحة الإرهاب في الخارجية ومجلس الأمن القومي والأجهزة الأمنية ومراكز البحوث والجامعات. وقد أشار هؤلاء الخبراء إلى أن هناك ستة مآلات للإرهاب:

الأول أن ما نسبته 5% من الحركات الإرهابية تحقق ما تصبو إليه من أهداف. وليس أدل من ذلك هو حركة الأرغون الصهيونية، والتي ارتكبت أعمالاً إرهابية ضد البريطانيين والفلسطينيين ولكنها في آخر المطاف حققت دولة يهودية في أرض فلسطين. بل إن زعيم الأرغون، مناحيم بيغين، أصبح رئيساً للوزراء ومنح جائزة نوبل للسلام.

أما النمط الثاني من الحركات الإرهابية فهو يمثل حوالي 18% من الحالات، والتي تنتهي بالتفاوض مع خصمها. ويمثله الجيش الجمهوري الإيرلندي وحركة فارك الكولومبية. ولكن النمط الثالث القريب من السابق هو تحول الحركة إلى حزب سياسي يشارك في النظام السياسي. وترى الكاتبة أن حزب الله يمثل هذا النمط من التحول.

أما النمط الرابع فهو قمع الدولة المستهدفة للحركة الإرهابية. فضرب الحركات الإرهابية قد ينجع في بعض الحالات ولكن قد يكون الثمن باهظاً. وقد استطاعت روسيا القضاء على الحركة الشيشانية بعد أن عاثت القوات الروسية دماراً في الشيشان.

وتمثل الحركات اليسارية العنيفة والتي تبخرت بفعل التغير في النظام الدولي وسقوط الشيوعية، وزوال أسباب ظهور هذه الحركات النمط الخامس في انتهاء الحركات الإرهابية. فحركة الألوية الحمراء الإيطالية وبادر ماينهوف الألمانية انتهتا مع انتهاء الحرب الباردة والاستقطاب الأيديولوجي العالمي.

وأخيراً، فإن القضاء على قيادة الحركة الإرهابية يؤدي إلى انتهاء الحركة أو انحدار موقعها. فالدرب المضيء في بيرو صالت ودارت وأرهبت الحكومة والشعب، ولكن عند القبض على زعيم الحركة أدى إلى انهيارها.

هذه الدروس المستفادة من الحرب على الإرهاب. وعلى أجهزة مكافحة الإرهاب أن تخلق الظروف لإنهاء هذا التهديد الأمني الكبير.

* كاتب وأكاديمي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات