هل تنجح الوساطة مع قطر؟

الخطاب المتناقض الذي تتبناه الدوحة والسياسات المتخبطة التي يتبعها النظام القطري والتي تدور معظمها في كواليس الظلام ولدت شعوراً بانعدام الثقة بين قطر وجاراتها العربيات ومحيطها الإقليمي، وجعلت من الوساطة الكويتية أمراً في غاية الصعوبة. فلم يعد المحيط الخليجي يصدق ما تقوله الدوحة، لم يعد الخطاب الذي تبثه قطر بصورة يومية يؤخذ على محمل الجد، ولم تعد يد قطر نصف الممدودة تؤخذ هي الأخرى على محمل الجد. هكذا آلت الأمور بين قطر ومحيطها حتى بات عدم الثقة هو السائد وأصبحت قطر كالفرد المنبوذ إقليمياً ودولياً.

احتضان قطر للقيادات الإرهابية على مدى عقدين من الزمان واتخاذها سياسات التدخل في شؤون أشقائها في الخليج ومحيطها العربي لم يجلب لقطر إلا العزلة. وفي الوقت الذي تسعي فيه قطر إلى جلب الانتباه لنفسها وأخذ مكانة متميزة على الصعيد الدولي عن طريق احتضان قواعد أجنبية وإقامة علاقات مشبوهة مع دول تعتبرها دول الخليج دولاً معادية كإسرائيل مثلاً، تدعي قطر أنها ظلمت وتلوح بلواء الديمقراطية وحقوق الإنسان وغيرها من الشعارات التي باتت لا تسمن ولا تغني من جوع. فقد أدرك العالم أجمع ما هي نوايا النظام القطري وما هي أهدافه الحقيقية من وراء دعم الإرهابيين وإغداق الأموال القطرية عليهم. وفي الوقت الذي تبدي فيه قطر رغبتها غير الصادقة في العودة للحضن الخليجي وفي قبولها للشروط التي وافقت عليها مسبقاً تظهر قطر رغبة غير حقيقية في الجلوس إلى طاولة المفاوضات وفي الحوار.

إن احتضان قطر للقواعد الأجنبية وقبولها لنزول قوات أجنبية في الدوحة إنما يعبر عن رعب الدوحة وقلقها المتفاقم وعن عزلتها الشديدة عن محيطها العربي. الكثير من الجدل يدور حالياً في داخل قطر وخارجها عن ماهية المنفعة التي سوف تجنيها قطر من وراء دعمها للإرهاب وإيوائها لإرهابيين مطلوبين من قبل العدالة الدولية. منفعة النظام القطري من جراء هذه الأفعال والمواقف المرتبكة قليلة في الوقت الذي يبدو فيه بجلاء أنه لا منفعة على الإطلاق للشعب القطري سوى تبديد أمواله في مغامرات طائشة لن تجلب لقطر إلا الدمار والسمعة السيئة. فلا منفعة لقطر سوى إحداث الفوضى وتنفيذ أجندات خارجية لا تخدم دول الخليج ولا شعوبها. ولتنفيذ تلك الأجندات فقد امتدت يد قطر إلى مناطق كثيرة من القارات الخمس تنشر الفوضى والإرهاب وتؤيد الخارجين على النظام العام وعلى شرعية حكوماتهم.

إن حلم أو «وهم» النظام القطري في أن يصبح قوة عظمى أو مؤثرة في العالم ورفضه ممارسة دوره الطبيعي كدولة تعمل ضمن منظومة خليجية هي مجلس التعاون أفرز نتائج كارثية حتى الآن. وعلى الرغم من إظهار قطر للرغبة في أن تكون عضواً صالحاً في هذه المنظومة إلا أن ميولها العدوانية والأفكار التي تحملها جعلها تبتعد تدريجياً عن توجهات دول الخليج وظلت تتراجع عن كل تعهداتها للأخوة الأشقاء وتعمل ضدهم في كل المحافل.

إن انعدام الثقة اليوم في النظام القطري يجعل من قضية ترميم العلاقة بين دول الخليج وقطر أمراً في غاية الصعوبة ويجعل من أمر الوساطة الكويتية قضية على المحك. فلا قطر صادقة في تعهداتها لدول الخليج ولا دول الخليج أصبح لديها رصيد متبقٍ من الثقة في النظام القطري بحيث يعمل على إنجاح أي وساطة.

إن الوساطة الكويتية اليوم تستند إلى مطالب والتزامات يتوجب على النظام القطري الوفاء بها. كما أن الجلوس وجهاً لوجه على طاولة المفاوضات يتوجب وجود قدر كافٍ من الثقة. ولكن النظام القطري الذي يجيد المماطلة والتسويف يعمل بكل جهده لحرق أي أوراق توافقية وإفشال أي وساطة أو صيغة للحوار. بل على العكس يسعى لزرع الفرقة والشك بين الدول الخليجية لتعيش في أجواء من الشك والقلق للتأثير على جو التماسك الذي تنعم به الدول الخليجية الأخرى.

إن عودة قطر للحضن الخليجي مشروطة بنبذها للإرهاب، وعدم تمويله وإظهار صدقها والتزامها بالمواثيق التي تعاهدت بها مع أشقائها في الخليج. فلا عودة لقطر من دون هذه الالتزامات، ولا ترحيب بها داخل المنظومة الخليجية دون اعتذارها عن ما سببته للأشقاء من أذى. ومن دون ذلك سوف تعيش قطر في عزلة ليست خليجية فقط بل دولية، وسوف يعاني الشعب القطري الأمرين من العزلة ومن تبديد أمواله في رهانات خاسرة من أجل وهم قطري لن يتحقق أبداً.

* جامعة الإمارات

طباعة Email
تعليقات

تعليقات