البيروقراطية.. هل هي داء العصر؟

خلال النصف الثاني من القرن الثامن عشر، عندما كانت الرأسمالية الصناعية لا تزال في مراحل نموها الأولي، كان الخلاف الأساسي بين المهتمين بالشؤون الاقتصادية يدور حول دور الفرد في مقابل دور الدولة. كان أنصار الحرية الاقتصادية.

وعلى رأسهم آدم سميث، مصرين على ترك حرية اتخاذ القرارات الاقتصادية للأفراد، وعدم تدخل الدولة في شؤون الاقتصاد إلا في أضيق الحدود، على أساس أن الفرد أدرى بمصلحته من أي حكومة (مهما كانت كفاءتها وحسن نيتها).

وأن الأفراد عندما يتركون وشأنهم من دون تدخل من الدولة سوف يحققون مصلحة المجتمع ككل، حتى من دون أن تكون مصلحة المجتمع جزءاً من اهتمامهم، في مقابل ذلك، كان أنصار تدخل الدولة يثيرون مسألة استغلال الرأسماليين للعمال، وأن سعي الرأسماليين لتحقيق أقصى قدر من الأرباح يؤدي إلى الإضرار بمصلحة المجتمع ككل.

ظل الخلاف في الرأي يدور أساساً حول أفضلية ملكية الدولة للمشروعات الاقتصادية بالمقارنة بالملكية الفردية. كانت الملكية إذن، لا الإدارة هي موضوع الخلاف، وقد استمر الأمر .

كذلك طالما استمر الحجم الصغير للمشروع الاقتصادي هو السائد، ففي المشروع الصغير تتحدد عادة الإدارة الملكية، إذ لا تتطلب الإدارة عادة من الممارسات والكفاءات ما يعجز عن المالك أو العدد الصغير من الملاك.

ولكن متى تجاوز المشروع حجماً معيناً تظهر الحاجة إلى مهارات وكفاءات مختلفة مما يؤدي إلى انفصال الملكية عن الإدارة في المشروع الكبير.

وتظهر صور جديدة «للقهر» أو «الاستغلال»، ومن ثم تظهر أنواع جديدة من الشكوى مصدرها اختلاف المصالح بين المديرين من ناحية، والملاك من ناحية أخرى، وهم كثيرون في حالة الشركات المساهمة، وكذلك بين المديرين وبين المستهلكين الذين يكونون عادة جماهير غفيرة.

ليس غريبا إذاً أن الشكوى من «البيروقراطية» هي شكوى حديثة نسبياً، إذ لم تظهر في المراحل المبكرة من تطور الرأسمالية، بل ظهرت ونمت مع نمو حجم المشروع الرأسمالي من ناحية.

وازدياد تدخل الدولة في الاقتصاد من ناحية أخرى، سواء كانت دولة «اشتراكية» أو ما يسمى «بدولة الرفه» ( Welfare state) التي تؤمن بواجب الدولة في التدخل لتحقيق أهداف اجتماعية معينة.

نحن الآن نعيش إذن في عصر تزداد فيه احتمالات القهر الذي يتعرض له الفرد من جانب المديرين، حتى في ظل الدولة الرأسمالية. وحيث إن الدولة الاشتراكية في أيامنا هذه أصبحت ظاهرة نادرة جداً، فإن قهر الإدارة للفرد أصبح الآن بعيد الصلة عن شكل الملكية، عامة أو خاصة. كلنا الآن نواجه هذه الاحتمالات.

ويبدو أنها تزداد مع مرور الزمن. ذلك أن من طبيعة الأمور، مع التقدم التكنولوجي، أن يكبر حجم المشروع، ومن ثم يزداد ما يتمتع به المديرون من سطوة ويزداد عدد المتعرضين والمتضررين من هذه السطوة. بعبارة أخرى، نحن نعيش الآن في عصر تزداد فيه أهمية مشكلة «البيروقراطية».

وتتراجع أمامها مشكلة ملكية المشروع «الفرد في مواجهة الإدارة»، هذه فيما يبدو هي المشكلة التي تحتل شيئاً فشيئاً مكان الصدارة في حياتنا الاجتماعية، بعد أن كانت المشكلة طوال القرنين الماضيين هي مشكلة الانقسام الطبقي بين من يملكون ومن لا يملكون.

هذا التحول الذي طرأ على حياتنا الاجتماعية، سواء في داخل الدول المتقدمة الصناعية أو الدول الأقل تقدماً (مع اختلاف درجة التحول بالطبع) قد تكون له علاقة وثيقة بما طرأ من تطور في النظام السياسي.

وأقصد بالذات الديمقراطية، إذ لا يمكن لأحد أن ينكر ما أصاب الأسلوب الديمقراطي في الحكم من ضعف في مختلف بلاد العالم يظهر ذلك في الضعف الذي أصاب البرلمانات، حتى في أعرق الدول وأقدمها في تطبيق الديمقراطية.

المناقشات في البرلمانات أصبحت أقل أهمية، وزادت نسبة الممتنعين عن الاشتراك في اللعبة الديمقراطية كلها، ترشيحاً أو تصويتاً للمرشحين، أو متابعة لما يدور من مناقشات بين من يتم انتخابهم. لم يعد من السهل تصنيف الأحزاب المتنافسة بحسب الطبقة أو الطبقات التي يدافع كل من هذه الأحزاب عن مصالحها.

كانت اللعبة الديمقراطية أكثر أهمية عندما كانت المنافسة تتخذ شكل الصراع الطبقي، أما وقد تحولت المنافسة أكثر فأكثر إلى صراع بين «مديرين»، يدور حول توسيع أو تضييق دائرة النفوذ، بصرف النظر عما يحدث لحجم الثروة، فإن المنافسة أصبحت أقل وضوحاً بكثير، وأقل إثارة لاهتمام الناس.

لا بد من أن يتساءل المرء، والحال كذلك، عن المصير الذي ينتظر مبدأ الديمقراطية نفسه، ومصير النظريات السياسية وعلم السياسة كله. من المعروف أن النظريات سياسية كانت أو اجتماعية أو اقتصادية يتأخر تطورها عن التطورات التي تحدث في الواقع. وأظن أن التأخر في هذه الحالة، أي في ما يتعلق بالديمقراطية، قد تأخر أكثر من اللازم.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات