وعي البقايا

جاء حين من الدهر تقاسمت فيه الأيديولوجيات القومية والشيوعية والإسلامية ولاءات الشباب العربي عموماً. فالبعثيون والقوميون العرب والقوميون السوريون والناصريون والإخوان المسلمون وحزب التحرير الإسلامي والأحزاب الشيوعية مع كل ما تعرضوا له من انشقاقات ظلوا حتى التسعينات تقريباً يتمتعون بحضور شبه قوي.

ومع انكشاف الكذب الأيديولوجي وأولوية السلطة إما للاحتفاظ بها أو السعي إليها، ومع الكذب الكبير حول القضية الفلسطينية ومع انتشار الفساد والقمع في بلاد كسوريا وليبيا ومصر، ومع زوال الاتحاد السوفيتي والدول الاشتراكية التي طبعت مرحلة طويلة من تاريخ البشرية بطابعها، لم تعد هذه الأيديولوجيات قادرة على التأثير في أجيال الشباب.

وظلت أجيال قديمة ذات وعي معند دون إجراء عملية نقد للمرحلة السابقة. إلا عند مجموعة من المثقفين الذين راحوا يتفهمون التغيرات الحاصلة في مجتمعاتهم وفِي حركة التاريخ.

وحين أعلن جيل الشباب ثوراته في تونس مصر وسوريا وليبيا واليمن انضمت بعض أجيال الأيديولوجيات القديمة إلى ثورة الشباب، فيما حاول الإخوان المسلمون البرهنة على انهم البديل الطبيعي للسلطات. فانفصلوا عن جيل الشباب بكل أحلامه الوردية في الحرية والعدالة والكرامة وتلبية الحاجات، وراحوا يعملون على هبش السلطة إلى الأبد.

وما كان ملفتاً للنظر بأن جزءاً من البقايا من جيل الأيديولوجيات القومية والشيوعية في بلاد الشام والعراق ومصر والمغرب العربي راحوا يدافعون عن النظام السوري وميليشياته الطائفية وعن إيران التي دعمت قوى طائفية شيعية.

وما يلفت النظر أكثر بأن وعي البقايا في الأردن وفلسطين لم يتوان عن الظهور بمظهر الدفاع دون تحفظ على الجريمة المرتكبة بحق الشعب السوري بحجة الدفاع عن حزب الله « المقاوم» و»النظام السوري» الممانع وإيران التي تدعي بأنها تحضر نفسها منذ أكثر من ثلاثين عاماً لإزالة إسرائيل.

يبدو وعي البقايا هذا نوعاً من الاغتراب السلبي عن الواقع، اغتراب الدوغمائية التي أفسدت الحياة وتفسدها.

فبعض المثقفين الفلسطينيين والأردنيين من بقايا القوميين والشيوعيين بوقوفهم ضد ثورة الشعب السوري بحجة تلوثها بالأصوليات الجهادية العنفية المتخلفة، مع أن العقل السليم الذي يفكر بجدية باستطاعته أن يقف موقفاً موحداً من الدكتاتورية ومن الأصولية معاً رفضاً وإدانة.

واتخاذ موقف مؤيد لحاجات الشعب بالحرية والعدالة والكرامة الإنسانية.

على أية حال فإن البقايا، غالباً، لا تفكر وإلا لما صارت بقايا. فعقل الإخوان المسلمين الذي ينظر إلى التاريخ الراهن بعقل الغنيمة لا يختلف عن عقل بقايا القوميين والشيوعيين الذي يريدون الاحتفاظ بالغنيمة.

ولقد دللت التجربة التاريخية للعرب عجز الأيديولوجيات الشمولية عن فهم الواقع من جهة، وعن تحول هذه الإيديولوجيات إلى أداة تبرير مخادعة للاحتفاظ بسلطتها وبما تجره السلطة عليها من ثروة. أجل لقد أصبحت الشعارات الأصولية العنفية والقومية والشيوعية مجرد حُجب للممارسة المضرة بحرية الناس ومستقبل قضاياهم وبخاصة قضية فلسطين.

إن النقد الذاتي ونقد الأيديولوجيات هذه لا يعني أبداً نقد انتماء العربي إلى هم كلي ودخول معركة الحياة بتفكير على مستوى العرب. فالعرب قادرون عبر التفكير بمصالحهم المستندة إلى شعور بالانتماء المشترك أن يحققوا إنجازات كبيرة على مستوى الاقتصاد. والمعرفة السياسية وقضاياهم الكثيرة وبخاصة قضية فلسطين. وليس هذا فحسب بل هم قادرون على تحقيق حد أدني من حرية إرادتهم لفرضها على الآخرين.

بكلمة واحدة ما عادت البقايا قادرة على التفكير. بل البقايا لا تفكر، وتشكل عبئاً على الوعي والحياة والمصير.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات