خمسون عاماً على هجوم ليبرتي

ليس هناك من شيء أبلغ من الهجوم على السفينة يو إس إس ليبرتي يدلل على مدى تأثير إسرائيل على الولايات المتحدة. فقبل خمسين عاماً وبالتحديد في 8 يونيو 1967، وخلال الحرب التي شنتها إسرائيل على ثلاث دول عربية، قامت الطائرات الحربية وزوارق البحرية الإسرائيلية بهجوم مباغت على سفينة عسكرية أميركية. وقد أدى الهجوم إلى مقتل 34 وجرح 171 من أفراد طاقم السفينة.

وقد كانت سفينة ليبرتي رابضة في المياه الدولية في شرقي المتوسط وعلى بعد 17 ميلاً بحرياً شمالي سيناء، في مهمة لجمع معلومات استخباراتية عن سير المعارك بين إسرائيل والدول العربية.

وادعت إسرائيل حينها أنها هاجمت السفينة ظناً منها أنها سفينة حربية مصرية. وقد حققت كل من إسرائيل والولايات المتحدة في الحادث وتوصلتا إلى نتيجة مفادها أن الهجوم وقع بسبب الخطأ. وقامت إسرائيل بتعويض ضحايا الهجوم وحكومة الولايات المتحدة عن الأضرار التي لحقت بالسفينة.

ولكن الرواية الإسرائيلية والأميركية حول الهجوم على ليبرتي يخالفها بعض من طاقم السفينة والذين نجوا من الحادث. وحسب ما جاء في رواية البحارة الذين نجوا من الهجوم فإن الحادث لا يمكن أن يكون بسبب جهل هوية السفينة. ويقول البحارة إن طائرات قامت باستطلاع السفينة لساعات، وبعدها قامت طائرات مقاتلة بإطلاق قاذفات سفينة ليبرتي. وبعد أن استنفدت الطائرات ذخيرتها، قامت طائرات أخرى بهجوم بالقاذفات وقنابل النابالم والمدافع.

وبعد الغارات الجوية قامت زوارق حربية إسرائيلية بالهجوم على السفينة بخمسة طوربيدات. وقد أدى الهجوم بالطوربيدات إلى وقوع انفجار تسبب في مزيد من القتلى.

ويستند هؤلاء البحارة في زعمهم أن عملية الهجوم كانت مقصودة، رغم معرفة الإسرائيليين بهوية السفينة، إلى أنه في اليوم السابق للهجوم (7 يونيو) أبلغ الملحق العسكري الأميركي البنتاغون أن الإسرائيليين سيغرقون السفينة ليبرتي إذا ما اقتربت من غزة.

وبناء على الإنذار، أمرت رئاسة هيئة الأركان المشتركة بانسحاب السفينة ليبرتي من موقعها بحوالي 100 ميل. ولكن الأوامر لم تصل إلى السفينة ربما بسبب سوء وسائل الاتصالات. ويقول أحد البحارة إن طائرتي ميراج اقتربتا حتى استطاع أن يرى الطيارون بالمناظير في مقصوراتهم فلا بد من أن استطاع الطيارون رؤية السفينة عن كثب والعلم المعلق بها واسمها ورقمها. ومما يعزز من هذا الادعاء من قبل البحارة ما ورد عن مشغل راديو الاتصال بالسفينة والذي سمع أحد الطيارين يخاطب قاعدته أن السفينة أميركية.

ورغم ذلك عادت طائرات مقاتلة بعد ثلاث ساعات من دون أن يكون عليها أية علامة أو علم يوضح الجنسية ووجهت نيرانها على السفينة. والغريب في الأمر هو أنه عندما استنجدت السفينة بالأسطول السادس عند الهجوم، فإن وزير الدفاع، روبرت مكنمارا، أمر الطائرات بتأخير عمليتها 90 دقيقة وبعد ذلك عندما همت الطائرة بالقيام بعملية الإنقاذ في محاولة ثانية أمر وزير الدفاع بإلغاء مهمة الإنقاذ.

عندها احتج الأدميرال على أمر الوزير وطلب سلطة أعلى. وحينها دخل الرئيس ليندون جونسون شخصياً على الخط وأمر بإلغاء المهمة مؤكداً توجيهات الوزير لأنه «لا يريد إحراج دولة حليفة».

وقد علق وزير الخارجية دين راسك في مذكراته أنه لم يقتنع بالتفسير الإسرائيلي للحادث. وأردف قائلاً إن الهجوم المستمر على السفينة يدلل على أن الحادث لم يكن غير مقصود وقد عبرنا عن رفضنا للتفسير الإسرائيلي عن طريق القنوات الدبلوماسية. وقال مؤكداً «إنني لم أصدقهم حينها ولا أصدقهم إلى يومنا هذا. لقد كان الهجوم شنيعاً».

وفي الذكرى الخمسين لحرب 1967، نشرت صحيفة هآرتس الإسرائيلية مقالاً عن حادثة ليبرتي. ويقول كاتب المقالة إن كتاباً نشر مؤخراً ألفه بحارة ممن نجوا من الهجوم على ليبرتي بعنوان «تذكر ليبرتي!: أغرقت تقريباً بسبب الخيانة في أعالي البحار».

ويحتوي الكتاب، حسب ما جاء في المقالة، على أدلة دامغة تشمل مقابلات وشهادات ومعلومات وآراء منها على سبيل المثال، وثيقة من المخابرات المركزية الأميركية تشير إلى أن وزير الدفاع الإسرائيلي موشي ديان أعطى الأوامر بالهجوم على السفينة، رغم اعتراض أحد الجنرالات الإسرائيليين على العملية على أساس أنها قتل متعمد.

ويذكر الكتاب أيضاً أن السفير الأميركي في لبنان قال إن وكالة الأمن القومي التقطت مكالمة بين الطيار وغرفة العمليات. ويسأل الطيار غرفة العمليات: «هذه سفينة أميركية. هل ما زلت تريدنا أن نهاجمها؟» وردت على الطيار الغرفة «نعم، نفذ الأوامر». ورد الطيار مرة أخرى «ولكن سيدي، إنها سفينة أميركية- أستطيع رؤية العلم!» وجاء الرد صاعقاً «لا تهتم، اضربها».

ولكن ما الدافع لعمل كهذا؟ وهل تواطأت إدارة الرئيس جونسون في عمل كهذا؟ ولماذا؟ حسب كتاب بحارة ليبرتي فإن الرئيس جونسون تآمر مع الإسرائيليين لضرب السفينة لاتهام مصر بالعمل واستخدام الحادثة كذريعة لضرب مصر وتحقيق نصر في مقابل هزائم فيتنام وبالتالي يعزز جونسون من فرص نجاحه في انتخابات 1968.

أما التفسير الآخر فهو أن إسرائيل كانت تتجاوز الحدود المتفق عليها من الحرب مع واشنطن بتوجهها لاحتلال الجولان. وأرادت إسرائيل أن تغرق السفينة التي كانت تلتقط الإشارات وتعلم واشنطن بمآرب إسرائيل.

مهما يكن الأمر، فإن الحقيقة هي أن السفينة ضربت مع سبق الإصرار والترصد.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات