هرم الآراء والحقائق

حينما يحتدم النقاش أمامنا في اجتماع ما أو قناة تلفزيونية لنتذكر قصة «هرم الآراء والحقائق»، فالهرم يصور لنا معاناتنا اليومية في الحوار، فحينما ترى مثلاً واجهة الهرم بلون أو شكل معين لا يمكن أن تجزم أن اللون أو الواجهة نفسها هي في الجانب الآخر، فمن يقف على الناحية الأخرى هو من يستطيع تحديد ذلك.

وهذا مثال على أننا ننظر إلى الأمور (الأهرام) من حولنا من زوايا مختلفة، فقد نتفق على «حقيقة» أن الماثل أمامنا هو بناء هرمي، لكننا في الواقع لا نستطيع الاتفاق بالضرورة على لون أو طبيعة الواجهات الأخرى للهرم.

وهذا الأمر يبرز أهمية وضع اعتبار للرأي الآخر الذي يرى الأمور من منظور مختلف، لا سيما عند اتخاذ قرارات حرجة أو مكلفة. وهكذا تكون نظرتنا أكثر شمولية إلى الموضوع أو القرار المزمع اتخاذه.

كما ينسى البعض أن الهرم نفسه وإن كان حقيقة قائمة بجدرانه الثلاث المثلثة فإن هناك قاعدة مربعة منسية لا نعلم طبيعتها، وهو ما يحتاج إلى بحث وتنقيب، تماماً كما ننقب عن أساس أو مصدر الأرقام التي يقدمها لنا بعض المرؤوسين على أنها حقائق دقيقة، ثم نكتشف أن أرضية الهرم أو الحقائق هشة.

وهناك قضية مفصلية تستنزف طاقاتنا في الحوار وهي عدم التفريق بين الرأي والحقيقة، فحينما أقول إن الهرم الفلاني أو البلاد الفلانية جميلة فهو «رأي» يختلف كلية عن قولي إن ارتفاع الهرم كذا متراً، وأن البلاد الفلانية تقع في القارة الفلانية، لأن الأخير «حقيقة».

وعدم إدراك هذه القضية يدفع بعض متخذي القرار إلى عدم التفريق بين الإحصاء الدقيق والدراسة، فإعلان إدارة السجل العقاري عن عدد الصفقات العقارية التي تمت فعلياً طوال العام الحالي يختلف كلية عن دراسة عينة عشوائية من مجتمع البحث، ومثال ذلك قوله تعالى: «لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا»، والإحصاء هنا دقيق ليس كالدراسة.

كما أن شاهد العيان حجته في المحكمة أقوى من شاهد يدلي «برأيه» أو يتوقع أو يظن أو يخمن. وهذه مسألة مهمة جداً في اتخاذ القرار، فبعضنا يبني قراره على توقع الآخرين وينسى الاستعانة بمن لديهم معلومات دقيقة.

وبصراحة، لم أستغرب الضجة التي أثيرت سابقاً حول وسم #الفستان أو #thedress وهي صورة أرسلتها فتاة أوروبية في «تويتر» لفستانها الذي حيرها لونه فشاركها نحو مليوني شخص، فقرروا إعادة إرسال التغريدة لمئات الملايين.

وسبب عدم استغرابي هو تذكري لقصة الهرم التي كثيراً ما أستخدمها في الدورات والمحاضرات. والأمر نفسه ينطبق على علبة المناديل التي لو وضعتها بشكل أفقي على طاولة الاجتماعات وطلبت من الجالس أمامك تحديد المكتوب من جهتك فلن يتمكن حتى يستعين برأيك. وهذه الجزئية تظهر أهمية المشورة في بعض الأمور.

وهذه هي الحياة، نحن نتخذ قرارات كثيرة نابعة من حدسنا ومعلوماتنا، لكننا لا نستطيع أن نتجاهل معلومات الآخرين وآراءهم، لا سيما حقائقهم، ولا ينكر الحقيقة المجردة إلا مكابر.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات