لا تغلقوا «الجزيرة» دعوها تحتضر

يحاولون أن يدّعوا الشطارة إلى الدرجة التي تبدو شطارتهم معها نوعاً من «البزنس» الرخيص والتدليس، فقد استطاع المتاجرون بقضايا الأمة وآلامها في قناة «الجزيرة» القطرية استثمار كل المواقف التي مرت بها القناة حتى الآن، ومنها مقتل واختطاف بعض طواقمها، واستغلالها في الترويج لبضاعتهم، وتجيير هذه الحوادث لصالح القناة، تحت بند استهدافها بدعوى أنها القناة التلفزيونية العربية الوحيدة التي تتمتع بالحرية والمهنية.

وآخر هذه المواقف وضع إغلاقها بنداً من بنود المطالب التي قدمتها الدول الداعمة لمكافحة الإرهاب، كما تدّعي القناة التي أطلقت سلسلة من البكاء والعويل، جرياً على عادتها، متهمة هذه الدول بالعمل على مصادرة الآراء، وقمع المنابر الإعلامية الحرة، ووجهت العاملين بها للعزف على هذه النغمة في حساباتهم الخاصة، فكانوا أسوأ عازفين لأسخف سيمفونية.

ولأننا في لحظة مكاشفة، فنحن نعترف أننا قد انخدعنا بالقناة عندما انطلقت، وذهبنا إلى تصديق كل ما كانت تبثه، مدفوعين إلى ذلك بشحنة الانبهار بالسقف العالي الذي بدأت به، والذي تجاوزت من خلاله خطوطاً حمراء، لم يكن تجاوزها متاحاً لأجهزة الإعلام العربية حينها.

وكانت «الجزيرة» على درجة من الذكاء استطاعت معها أن تقنع الكثيرين بمهنيتها، فاستقطبت جمهوراً واسعاً لم يعتد هذا النوع من الطرح، وساعد على ذلك المناخ الذي كان سائداً عندما ظهرت القناة، خاصة بعد تحرير دولة الكويت من الاحتلال العراقي.

حيث برزت قناة «سي إن إن» الأميركية وقتها في تغطية تلك الحرب، وكانت اللاعب الوحيد على الساحة، فنقلت تفاصيلها على الهواء مباشرة، الأمر الذي جعل المشاهد العربي متعطشاً لهذا النموذج من القنوات الإخبارية، لتأتي «الجزيرة» كي تلبي هذه الأمنية.

وتلعب الدور الذي لعبته «سي إن إن» في حرب تحرير الكويت، ولكن أثناء الحرب في أفغانستان هذه المرة، عقب هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001، في ظل غياب قنوات إخبارية منافسة مثل «العربية» و«سكاي نيوز عربية» اللتين لم تكونا قد بدأتا بثهما بعد، فكانت هي القناة العربية الوحيدة التي غطت تلك الحرب على الهواء مباشرة من خلال مراسليها هناك.

وبثت أشرطة فيديو لخطب ورسائل أسامة بن لادن وغيره من زعماء تنظيم القاعدة الذين كانوا يختبئون في أماكن سرية، ولم يكن يستطيع الوصول إليهم سوى مذيعي قناة «الجزيرة» ومراسليها (؟!) هكذا بنت قناة «الجزيرة» ما تعتقد أنه مجدها، وهو الذي مهد لها الأرضية كي تلعب بعد ذلك دوراً في إذكاء ما أطلق عليه «ثورات الربيع العربي» في كل من تونس ومصر وليبيا وسوريا واليمن.

هنا انكشف وجه القناة والهدف من إنشائها، والدور القذر الذي تلعبه، بعد أن اتضح انحيازها لفصيل واحد فقط، هو جماعات الإسلام السياسي، وبالتحديد جماعة «الإخوان المسلمون» التي فشلت في كل من تونس ومصر، رغم وصولها إلى قمة السلطة في هذين البلدين، لتمضي «الجزيرة» في تمجيد هذه الجماعة، وإبراز الأدوار البطولية التي قام بها أعضاؤها في هذه الثورات، وتبرير فشلها عندما أخفقت، وإتاحة منبرها للهاربين من أعضائها الذين استقروا في الدول الراعية لها، مثل تركيا وبريطانيا.

لهذا انطفأ بريق «الجزيرة» وخفت وهج البدايات، فلم تعد قناة «الرأي والرأي الآخر» كما طرحت نفسها عندما انطلقت، ولم يعد هذا الشعار صالحاً للقناة التي اتضح أنها قناة الرأي المنسجم فقط مع فكر الجماعة التي تروج لها، وتستضيف رموزها، وتقمع كل من يحاول أن يقول رأياً مخالفاً لرأيها.

في محاولتها الأخيرة لتشويه سمعة دولة الإمارات، خان التوفيق قناة «الجزيرة» في اختيارها لعنوان البرنامج الذي بثته عن الدولة، حيث سمته «إمارات الخوف».

فالكل يعرف أن دولة الإمارات هي دولة الأمن والأمان، بل إن أكثر ما يميزها عن غيرها هو الأمان الذي يتمتع به مواطنوها والمقيمون على أرضها، وهو أول ما يلاحظه الزائر لها أيضاً. وإذا كانت دولة الإمارات تقف بالمرصاد لكل من يهدد أمنها، فهذه شهادة تسجل لها لا ضدها.

كما خانت «الجزيرة» المهنية التي تدعيها في اختيارها لضيوف برنامجها الذي سخر منه كل من شاهده وهو يعرف دولة الإمارات جيداً، وذلك لكثرة ما احتوى عليه من مغالطات كبيرة، فكل الذين تحدثوا في البرنامج إما إخوانيون معروفة جذورهم وانتماءاتهم، أو منتسبون إلى منظمات معروف سجلها في الدفاع عن الإخوان المسلمين، أو قامت «الجزيرة» بنسبتهم إلى جهات دولية كذباً.

مثل «توبي كادمان» الذي قدمته القناة على أنه عضو مكتب المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، في حين يقدم هو نفسه على أنه محامٍ متخصص في القانون الجنائي الدولي، لا يعمل لصالح المحكمة التي ذكرتها القناة.

أما الإخواني الإماراتي الهارب الذي تحدث من تركيا عن قمع الحريات، فقد كان مهزوزاً وغير مقنع، لأنه يحتمي بنظام قامع للحريات، حجب موقع «تويتر» أكثر من مرة لمنع وصول أصوات معارضيه، واعتقل مئات الصحافيين ومنعهم من ممارسة مهنتهم، وفصل آلاف المدنيين والعسكريين الأتراك من وظائفهم بتهمة دعمهم لمحاولة الانقلاب التي جرت ضده، فعن أي حرية يتحدث هذا الإخواني الهارب؟

لذلك نقول إن «الجزيرة» تحتضر فلا تعطوها فرصة العودة إلى الحياة. دعوها تغلق نفسها بنفسها، فهي تتخبط وتكشف عن وجهها القبيح كل يوم، ومقتلها فيما تبثه من أكاذيب لم تعد تنطلي حتى على موظفيها الذين يتصدون للدفاع عن مصداقيتها بأنفاس متقطعة، وهم يعلمون جيداً أنها مخادعة وكاذبة.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات