سنغافورة وقطر والدروس المستفادة

يقول المثل الشعبي الأميركي إذا وجدت نفسك في حفرة فعليك أولاً التوقف عن الحفر. وعلى ما يبدو أن قطر أبت إلا أن تعمق من الحفرة التي وجدت نفسها فيه، فالبرنامج الذي بثته قناة الجزيرة عن الإمارات لا يسهم في إخراج النظام القطري من ورطته، بل يعمق من الأزمة.

ويتحدث برنامج الجزيرة والتي غدت- وللأسف- بوقاً للنظام القطري تذكرنا بعصر ظننا أنه من الماضي، حيث تتراشق الأنظمة العربية عبر إذاعتها. ولم تجن تلك الأنظمة إلا البؤس والخراب للأمة وللإقليم. ومن دواعي السخرية أن الجزيرة تتكلم كما لو أن مالكيها أسسوا دوحة للديمقراطية والحرية والعدالة.

ويجدر بقطر بدلاً من أن تعمق الحفرة التي حشرت نفسها فيها أن تجد الحلول لعزلتها والخروج من مأزقها الإقليمي. وتواجه قطر اليوم- بلا شك- أزمة مع جيرانها هي الأسوأ منذ الغزو العراقي للكويت في العام 1990. وحري بقطر أن تتعامل مع الوضع القائم بشكل مسؤول لأن آثاره بدأت في المساس بقواعد الإجماع الخليجي لجهة احترام الرموز الوطنية، وعدم التطاول عليها.

وإذا ما أخذنا رؤية مصدر محايد من خارج المنطقة مثل كيشور محبوباني، الدبلوماسي المخضرم والمفكر السنغافوري الشهير، حيث يقدم نصائح مهمة لقطر من الأجدر للدوحة أن تستمع وتعيه، بل أن تستمع كل دول المنطقة- وخاصة الدول التي تحاول أن تلعب دوراً أكبر من حجمها.

ويقول محبوباني إن هناك دروساً عدة تستطيع سنغافورة أن تتعلمها من حالة قطر في الأزمة الأخيرة، فالدرس الأول الذي يجب على الدول الصغيرة أن تتعلمه هو أن تتصرف كونها دولاً صغيرة، فالواقعية الجيوسياسية تفرض على الدول الصغيرة أن تهادن الدول العظمى حتى وإن اختلفت مبدئياً مع الدول العظمى، ففي الغابة، كما يقول محبوباني، «لا تستطيع الحيوانات الصغيرة التعرض لفيل مندفع».

ويضرب مثلاً عندما كان يعمل مندوباً لبلاده في الأمم المتحدة في العام 2003، وكانت الولايات المتحدة بصدد غزو العراق. وقد أيدت سنغافورة واشنطن في عزمها على الغزو رغم اعتقادها أن الغزو غير شرعي.

ويبرر محبوباني هذا الموقف بالبراغماتية السياسية. ورغم خطورة هذا الموقف بالنسبة للدول الصغيرة والتي قد تواجه المصير نفسه إذا ما بررت للدول الكبرى حربها على الدول الصغيرة خارج أطر القانون الدولي. ماذا يمنع الصين مثلاً من فعل الشيء نفسه مع دول جنوب شرق آسيا، وهي بالفعل تتنمر على هذه الدول وترهبهم في غير ذي مرة.

ويضيف الكاتب بأن قطر أخطأت التقدير عندما اغترت بأن كومة الأموال التي تقعد عليها والعلاقات مع الولايات المتحدة سيحميانها من المخاطر الخارجية؛ وراحت تبحث عن دور أكبر بسبب الغناء الفاحش والسند القوي الذي يعطيها قاعدة العديد. وقد أثبت الأيام خطأ هذه التقديرات، وتواجه قطر اليوم ما تواجهه بسبب الأخطاء في التقدير.

وتنقلنا النقطة الأخيرة إلى الدرس الثاني المستفاد بالنسبة للأزمة القطرية، فإذا كانت دولة عضو في منظمة إقليمية، فعليها أن تعضد من علاقاته مع المنظمة الإقليمية، فالمنظمة الإقليمية وفاعلية العضو في المنظمة الإقليمية سيحمي العضو من عواقب مقاطعة مماثلة لتلك التي فرضت على قطر، والتي كانت دائماً تغرد خارج السرب الخليجي.

ولهذا السبب فإن على الدول مثل سنغافورة أن تستثمر في منظمتها الإقليمية الآسيان حتى تحميها من تقلبات السياسة. كما أن المحافظة على البيئة المعززة للسلام والاستقرار تخدم سنغافورة والتي تنعم بتجارة خارجية تعادل ثلاثة أضعاف ونصف ناتجها القومي. وقد أشاعت منظمة الآسيان جواً من الثقة بين أعضاء المنظمة الإقليمية والذي عزز من فرص الاستقرار والسلام بين أعضائه.

أما الدرس الثالث الذي يجب أن نعيه في هذه الأزمة، حسب ما يقول محبوباني، أن على الدول الصغيرة أن تحتضن الأمم المتحدة، فالمنظمة الدولية خير صديق للدول الصغيرة، فقبل تأسيس هذه المنظمة كانت الدول الصغيرة ضحية لعدوان الدول الكبرى، ولكن بعد تأسيس الأمم المتحدة فإن غزو واحتلال الدول الصغرى انخفض إلى حد كبير، رغم أن هناك أمثلة على حدوث عدوان على دول صغيرة من قبل دول كبرى كغزو العراق أو أفغانستان أو جزيرة القرم.

وأهمية الأمم المتحدة تكمن في أن الدول العظمى لا تريد لها الاستقلالية والنفوذ، ولا تريد لها أن تكون الحامية للدول الضعيفة. ويستشهد محبوباني بالباحث الشهير إدوارد لك والذي قال إن آخر شيء تتمناه الولايات المتحدة أن يكون للأمم المتحدة استقلاليتها أو أنها تقف في وجه قيادة أميركا للعالم.

وعسى أن تكون هذه الدروس الثلاثة نبراساً للدوحة في تعاملها مع أشقائها الخليجيين وفي رسم سياستها الخارجية، فالتصرف كونها دولة صغيرة لا يعني التنازل عن السيادة أو عن الكرامة الوطنية، فالواقعية السياسية هي حفاظ على الاستقلالية والكرامة الوطنية. وقد شهدت المنطقة قادة تعاملوا بصلف وتبجح لم يجنوا من مواقفهم إلا الويل والثبور وعظائم الأمور. ويقول الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم «عليكم بالجماعة فإن الذئب لا يأكل من الغنم إلا القاصية».

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات