كوريا الشمالية وقرارات الحرب الأميركية

ما هو الشيء المفيد في الحروب؟ بالطبع ذلك يعتمد إلى حد ما على الشخص الذي تطرح عليه هذا السؤال. يجيب أحد السياسيين المتمرسين عن ذلك بالقول: «لا شيء مفيد فيها قطعا».

ومع ذلك لا يتفق الجميع على هذا الجواب.

وتعتبر الحرب العالمية الثانية أوضح مثال على ذلك في الماضي القريب. فالقتال ضد النازية والعسكرية اليابانية الاستعمارية التوسعية في الشرق الأقصى، ليس مقبولا أخلاقيا فحسب، لكنه أيضا كان ضرورة أخلاقية لا مناص منها.

وفي بعض الأحيان تكون الحرب جيدة بالنسبة لأفراد معينين، فالجنود الذين يقاتلون جيدا وبشرف، ربما يحرزون تقدما في عملهم عقب عودتهم من ساحة المعركة، فالقتال كان مهمتهم في نهاية المطاف. وبصورة أكثر إثارة للشكوك، يستغل كثير من رجال الأعمال الأزمات السياسية على الأصعدة كافة. فإذا كان أحدهم تاجر سلاح مثلا، فإن الحرب والخوف منها يعتبر أمرا جيدا بالنسبة له بالطبع.

والسياسيون أيضا يمكنهم تحسين سمعتهم، أو تشويهها من خلال إرسال الجنود إلى ساحة المعركة، تماما كما حدث مع رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، الذي يتذكره الكثيرون عبر جر بريطانيا إلى الحرب العراقية من خلال ما ظهر أنه فرضية كاذبة.

وعلى النقيض من ذلك، فإن مارغريت تاتشر عندما كانت رئيسة للوزراء في بريطانيا في فترتها الأولى، اعتبرها الجمهور بأنها تغيرت للأحسن نتيجة لغزوها الناجح لجزر الفوكلاند واستعادتها لها من الأرجنتين. وقد تحول النزاع على نطاق واسع إلى غضب وطني في بريطانيا، وحاز إعلان الحرب على تأييد كبير. وبعد استسلام الأرجنتين في غضون ثلاثة أشهر من الحرب، زال الشك باليقين واعتبر بأن هذا انتصار مجيد على الرغم من فقدان 255 من الجنود البريطانيين.

كما اعتبرت تاتشر، التي تعرضت زعامتها لحزب المحافظين لضغوط هائلة في مطلع عام 1982- اعتبرت بشرى خير بالنسبة للبريطانيين نظرا لقرارها الحاسم بالتدخل، على الرغم من أن ترددها السابق بتعزيز دفاعات فوكلاند، مما شجع الطغمة العسكرية الأرجنتينية على الهجوم لاستعادة الجزر. وقد تصاعدت شعبية تاتشر إثر ذلك مما جعلها تفوز بأغلبية ساحقة في الانتخابات العامة في عام 1983.

وكل هذه الأمور تجلبنا إلى كوريا الشمالية ودونالد ترامب. فعلى الرغم من احتجاجاته الكثيرة ضد بيونغ يانغ، لم يحقق الرئيس الأميركي إنجازات تذكر في بلاده. ولم تذهب سدى الادعاءات بأن التدخل الروسي هو الذي ضمن له النجاح في الانتخابات، وتبدو جهوده في إلغاء قانون أوباما كير للرعاية الصحية في وضع حرج. ولم يضع بعد أية لبنة بناء في جدار الحدود المكسيكي الذي وعد خلال الانتخابات ببنائه. كما يتعرض للانتقاد على نطاق واسع في وسائل الإعلام الأميركية، ولا يتحدث معها ويكتفي بتغريداته على تويتر أو يلقي كلمة صريحة وساخرة أمام صبية الكشافة.

وربما فكر ترامب بالكيفية التي يعزز بها ثقته لدى الشعب الأميركي من خلال استعراض بعض العضلات العسكرية في مكان ناء جدا.

ويتبادل الرئيس ترامب مع الرئيس الكوري الشمالي كيم جونغ-أون كلمات التهديد، وهو قادر على تبادل الشتائم معه. والأهم من ذلك هو أن الزعيم الشيوعي يشعر بغبطة كبيرة عندما يخبر العالم أن قواته المسلحة لديها القدرة الآن على الوصول إلى الولايات المتحدة بواسطة صواريخها البالستية، وذلك بعد التجربة المفاجئة التي أجراها أخيرا في المساء. وهذا عامل آخر في القلق المتصاعد باستمرار بشأن القدرات النووية لبيونغيانغ، ويصعب الاستنتاج أن أميركا يجب عليها تجاهل هذه المشكلة.

ومع ذلك، سارع ترامب بالتقاط قفاز التحديّ في الآونة الأخيرة، فأمر بإجراء مزيد من التجارب على منظومة صواريخ «ثاد» المضادة للصواريخ التي باشرت الولايات المتحدة بنصبها في كوريا الجنوبية. كما شاركت قاذفات «ب-1» الثقيلة في المناورات التي جرت فوق شبه الجزيرة الكورية. وكتب الرئيس الأميركي تغريدة غضب ضد الصين على موقع تويتر لعدم فعلها شيئا لصالح الولايات المتحدة ضد كوريا لشمالية، قال فيها:«لن نسمح باستمرار هذا الأمر».

ويصعب معرفة ما إذا كانت البلاغة الأميركية ستتيح القيام بعمل عسكري ضد كوريا الشمالية، وبصراحة هناك خطر كبير أن تؤدي ضربة أميركية واقية ضد بيونغيانغ إلى إتاحة المجال لنزاع إقليمي أوسع نطاقا، بما في ذلك مهاجمة القوات الشيوعية لكوريا الجنوبية. وستكون العواقب في المنطقة وخيمة، ولهذا السبب يتعين أن تتواصل الدبلوماسية وأن تتصدر الأولوية بحسب أي تحليل منطقي.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات