من سيرينا وليامز لقانون الهجرة الأميركي

كانت مفارقة مدهشة أن أكتب مقالاً عن «فينوس وسيرينا وليامز» يعتبر حياتهما نموذجاً ملهماً لكفاح المرأة السوداء في أميركا، فتكتب في الأسبوع نفسه سيرينا ويليامز بنفسها مقالاً عن كفاح المرأة السوداء في الولايات المتحدة!

ومقال سيرينا وليامز الذي نشرته في مجلة «فورتشيون» ركز على الصعوبات التي تواجهها المرأة السوداء بأميركا وإن ركز تحديداً على الفارق في الأجر الذي تتقاضاه المرأة السوداء عن العمل نفسه بالمقارنة بأقرانها من البيض، رجالاً ونساءً.

ولاعبة التنس الشهيرة، سيرينا وليامز، شرحت بالتفصيل التمييز ضد المرأة السوداء العاملة بالمقارنة بالرجل الأبيض بل وبالمرأة البيضاء.

ولم تنس اللاعبة أن تحكي معاناتها الشخصية منذ الصغر مع العنصرية والعداء لنجاح المرأة. فكان لما قالته دلالة مهمة مرتبطة بشكل مباشر بقرارات إدارة ترامب الأخيرة.

فهي قالت «قيل لي منذ الصغر أن ليس بإمكاني أن أحقق أحلامي لأنني أمرأة، وبسبب لون جلدي. وفى كل مرحلة من حياتي كان عليّ أن أتعلم الدفاع عن نفسي.. لقد عوملت بشكل ظالم، وكان زملائي الذكور لا يعاملونني باحترام، ولطالما واجهت تعليقات عنصرية في ملاعب التنس وخارجها. لكن لحسن حظي ساعدني طموحي ودعم أسرتي وأصدقائي على المضي للأمام.

لكن الظلم الذي تعرضت له لا يزال يؤلمني». وتلك العبارات الكاشفة من واحدة من أكثر النساء السود نجاحاً في أميركا كافية لتلقي الضوء على معاناة الملايين الذين لا يملكون موهبتها ولا تتوفر لهم شبكة الدعم القوية التي ساعدتها وتشرح حاجتهم الماسة للدعم الحكومي لتحقيق ولو نسبة ضئيلة مما حققت.

وفي هذا السياق تحديداً ينبغي، في تقديري، قراءة الخبر المتعلق بقرار إدارة ترامب بخصوص ما يسمى ببرامج «العمل الإيجابي».

والعمل الإيجابي، عبارة عن مجموعة من البرامج تم إرساؤها منذ عهد الرئيس جونسون في الستينيات، هدفها الرئيسي معالجة الإرث الثقيل من العنصرية المؤسسية والتمييز ضد السود وغيرهم من الأقليات، عبر فتح المجال عند التوظيف أو القبول بالجامعات لأخذ ذلك الإرث بالاعتبار. فقد نشرت النيويورك تايمز أن إدارة ترامب تسعى لفحص برامج القبول بالجامعات التي «تميز ضد البيض»، وستقوم بمقاضاة تلك الجامعات.

وبينما قال البيت الأبيض إن الخبر «ليس دقيقاً»، كان رد وزارة العدل بمثابة تأكيد للخبر أكثر من نفيه، إذ أنه أكد أنه سيتم التحقيق في شكاوى «التمييز المضاد»، والتي قدمت منذ أعوام.

والتمييز المضاد هو تعبير يطلقه خصوم برامج العمل الإيجابي. فهم يرون أن البرامج التي يفترض أن تقضي على التمييز ضد الأقليات تقوم بالتمييز ضد البيض.

ففي حين يتم قبول طالب أسود مثلاً، عبر أخذ المسألة العرقية في الاعتبار، فإن طالباً أبيض قد تكون درجاته أعلى من ذلك الأسود يتم حرمانه من القبول بالجامعة بعد أن أخذ ذلك الطالب الأسود مكانه.

والحقيقة أن المحكمة العليا الأميركية طالما اعترفت بقانونية ودستورية برامج العمل الإيجابي عبر سلسلة من الأحكام، كان آخرها الحكم الذي صدر العام الماضي بشأن جامعة تكساس التي قامت فتاة بيضاء بمقاضاتها مدعية أن برنامج العمل الإيجابي بالجامعة وقع في «التمييز المضاد» على حسابها عندما قبل طلاب سود ومن أصول لاتينية حصلوا على درجات أقل منها بينما حرمها من الالتحاق بالجامعة.

لكن اتضح من مجريات القضية أنه كان هناك طلاب سود درجاتهم أعلى من درجات المدعية الطالبة «أبيجيل فيشر» ولم يتم قبولهم مثلها، بينما كان هناك من الطلاب البيض من كانت درجاتهم أقل منها وتم قبولهم.

وهو الأمر الذي يشير إلى أن معايير القبول بجامعة تكساس أكثر تعقيداً من مجرد الاعتماد على المسألة العرقية وحدها، أو درجات الطالب فقط. وقد حكمت المحكمة في القضية بأن برنامج «العمل الإيجابي» بجامعة تكساس لا يخالف الدستور ولا القانون الأميركيين، حين يتخذ المسألة العرقية والإثنية كأحد معايير القبول.

وإذا كان قرار فحص «التمييز المضاد»، من جانب إدارة ترامب، قد بدا موجهاً للسود والمرأة، فقد بدا الإعلان عن تشريع جديد للهجرة يعطي الأولوية لطلبات الهجرة التي يتقدم بها من يجيدون اللغة الإنجليزية ولديهم مهارات وظيفية، وكأنه موجه للفقراء من أبناء أميركا اللاتينية الذين يهاجرون لأميركا للعمل بالوظائف الدنيا ولا يجيدون إلا الأسبانية. وهم ذاتهم الذين يستهدفهم، بالمناسبة، تعهد ترامب ببناء الحائط على الحدود مع المكسيك.

ومثلما أثار المقال الذي كتبته سيرينا وليامز ردود فعل واسعة مؤيدة لضرورة إلقاء المزيد من الضوء على التمييز المركب ضد المرأة السوداء العاملة، فقد أثارت قرارات إدارة ترامب بالنسبة لبرامج العمل الإيجابي والهجرة هي الأخرى ردود أفعال واسعة. فقد هددت منظمات سوداء بمقاضاة الإدارة إذا ما استهدفت البرامج التي تساعد السود والمرأة، بينما لاقى الإعلان عن تعديلات قانون الهجرة معارضة حتى من الجمهوريين بالكونغرس. وكل ذلك يؤكد استمرارية كفاح الأقليات والمرأة من أجل حقوق متساوية في الولايات المتحدة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات