الإمارات في عيونهم

على شاطئ مدينة برايتون، تلك المدينة البريطانية الساحلية الهادئة، وقع بصري على ذلك الرجل الثمانيني الذي جلس إلى الشاطئ يتأمله في سكون، كمن يقرأ صفحات الماء التي تغيرها الأمواج وتبدلها حركة القوارب، كما أيام العمر التي تمر هادئة أحيانا وعاصفة أخرى، غير أنها تسير ويوماً وراء يوم كما الأمواج إحداهما وراء الأخرى، ولا ندري هل هما يتسابقان أو يتصارعان أم يتبدلان الأدوار، غير أن ما يميزهما تلك الحركة الدائبة التي لا تتوقف.

رأيت ذلك الرجل المسن يتأمل حركة الأمواج أحيانا وهدوء مياهها أخرى، غير أن هناك نجوى بينه وبينها وحديث ذو شجون لا تنطق به شفتاه، جلست إلى جواره وبعد لحظات بدأت الحديث معه مبتدئا كما اعتاد الإنجليز في أحاديثهم بسؤاله عن الطقس، ثم انقطع عن ذلك العالم الذي كان يعيش فيه ربما ذهبت به إلى عشرات من السنين خلت تمر أمامه كشريط الذكريات ليخبرني أنه من لندن وكان يعمل في أحد المصارف قبل أن يتقاعد وينتقل إلى برايتون لهدوئها وطبيعتها الساحلية وقربها من مسقط رأسه، وعرفته بنفسي، فأردف قائلا أنتم حققتم ما لم يستطع أن يحققه غيركم، وكنتم أكثر وعيا، كما إن لديكم رؤية لما تودون أن تكونوا عليه، وجادون في أن تخرجوا من دائرة الاعتماد على النفط كمصدر اقتصادي رئيسي وتحققوا نجاحات في ذلك، وأحسست أن بالرجل حنين إلى الماضي وهو صاحب الثمانية عقود، فبادرته قائلا هل تشعر بفارق بين الماضي الذي عشته والحاضر الذي تراه، فإذا به يرنو ببصره إلى الأفق الواسع ويأخذ نفسا عميقا، كمن يعد نفسه للحظة انطلاق تحمل في ثناياها الكثير من الآلام، وقال كنا دولة عظمى نقود العالم في كافة المجالات، وكنا نصدر العلم للعالم كافة، ونرسل الخبراء إلى بقاع الأرض، واتجه إليّ بلفتة سريعة، وكأنه يؤكد حقيقة، قائلا أنت تعلم أننا كنا نرسل الخبراء إلى بلادكم لينقلوا لكم تجاربنا في التعليم ونظم الإدارة، قلت نعم هذه حقيقة لا نخجل منها، غير أنه اردف قائلا أتعلم أن مؤسساتنا وشركاتنا ترسل الآن موظفيها إلى دبي لكي نتعلم من تجربتكم وخبراتكم.

وقال خلال عملي في المصرف أرسلني الفرع الرئيس في لندن إلى الفرع في الإمارات لكي أنقل خبرتي للتطوير، لكن الحقيقة وجدت نفسي أتعلم من تجربتكم، وهنا أنا لا أجاملك حين لا أنكر أنني تعلمت من تجربتكم المتميزة في خدمة العملاء، التي زاوجتم فيها بين الأسس العلمية الصحيحة وبين العادات والتقاليد الإماراتية فصارت لها نكهة نفتقدها نحن في مجتمعاتنا.

وواصل حديثه قائلا دعني أعود مرة أخرى للموضوع، إننا بالفعل سبقناكم في مجال العلم والمعرفة لكنكم في الواقع سبقتمونا في استخدام التقنيات الحديثة، ساعدكم في ذلك انفتاحكم على العالم شرقه وغربه، وسخرتم في ذلك ما توافر لكم من مصادر مالية لترسيخ بنية تكنولوجية قوية ومتطورة.

ثم عاد به الشجون للحديث عن بريطانيا قائلا أعتقد أن المنافسة القوية من الصين واليابان من أسباب تأخرنا، كما إن الابتكارات تراجعت عندنا وصرنا نعتمد كثيرا على غيرنا، وتولد لدى الأجيال الجديدة الكسل الذهني ولم يعد التعليم كما كان سابقا، كنّا نتعلم كيف نفكر، كان الواحد فينا يستطيع أن يحلل ويستنتج ويبني على ذلك قراراته في العمل والحياة، أما التعليم الحديث فلا تجد فيه شيئاً من ذلك، لأنه يعتمد على اختيار الإجابات في الاختبارات والتي تكون غالبا بالتخمين وليس بالمعرفة والتفكير المنطقي، أضف إلى ذلك الكتابة التي لم يعد الجيل الجديد قادرًا على رسمها، حيث اعتمد بشكل كامل على التقنيات لتكتب بدلا عنه، ولا أعرف ماذا يحمل المستقبل للأجيال القادمة، أعتقد أنها ستجهل الحروف وستكون الكتابة عن طريق النطق.

ثم استمر في حديثه قائلا على الجانب الآخر فإن حياتنا الاجتماعية تغيرت كثيرا لم نعد باستطاعتنا زيارة أقاربنا في الإجازات كما كنا نفعل، زحام الطرق سبب، وتطور التقنيات وظهور وسائل التواصل الاجتماعي سبب آخر، حتى الأطفال في البيت لم نعد نتواصل معهم بسبب الأجهزة التي أدمنوا الجلوس عليها، والتي يفضلون البقاء معها على الخروج إلى المنتزهات وممارسة الرياضة.

ثم أخذ يَصْب جام غضبه على بعض ممارسات الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي التي قال عنها إنها سبب العديد من المشكلات التي تصيب العالم، مضيفا ليست المشكلة في التقنيات والوسائل المستخدمة ولكن في عقول البشر التي تغيرت بسببها وأساءت استخدامها.

وأنهيت حديثي مع الرجل قائلا لقد خلقوا لزمان غير زماننا، ولكل عصر لغته، وعلينا دائما أن نبحث عما يسعدنا وبالتأكيد سنجده، فابتسم وأومأ برأسه موافقا أو مجاملا، غير أن ما استوقفني كثيرا هو أن شهادته تمثل تقييما لرجل عاش من العقود ثمانية وشهد على مراحل متعددة أهمها كيف أنه يرى بلادي تحافظ فيها الأجيال على المكتسبات.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات