الفرح بالبريد الإلكتروني

في مقال قديم بعنوان «الفرح بالبريد»، أراد أحد كتابنا الكبار منذ ستين عاماً أو أكثر أن يفسر ظاهرة لا شك في صحتها، وهي ترحيب المرء بقدوم ساعي البريد وهو يحمل خطاباً عليه اسمه حتى من قبل أن يعرف أي شيء عن مضمون الخطاب.

من المناظر التي أذكرها في بعض الأفلام القديمة منظر ساعي البريد عند وصوله إلى قرية صغيرة مرتدياً زياً معيناً يعرفه الجميع، وحاملاً حقيبة كبيرة يعرف الجميع أنها مليئة بالخطابات، فيتصايح الأطفال والصبية لدى رؤيته، ثم يجرون إلى البيت المقصود ليهنئوا أصحابه على أن ساعي البريد في طريقه إليهم.

لا شك أن كثيرين منا يفتقدون ساعي البريد بعد أن أصبح مجيئه ظاهرة نادرة في حياتنا، إذ أخذت المكالمات التليفونية تحل تدريجياً محل الخطابات، ثم أخذت المكالمات التليفونية بدورها تقل تدريجياً ليحل محلها البريد الإلكتروني.

ما أكثر ما يحدث الآن من أن ألاحظ أثناء جلوسي في جلسة عائلية أن بعض صغار السن من أفراد العائلة قد شرع في إخراج جهاز صغير من جيبه، لا أعرف الكثير عنه عدا أنه جهاز إلكتروني يرسل ويتلقى الرسائل، ويمكنه أيضاً أن يقوم بمهمة دائرة المعارف التي تجيب على أي سؤال يتعلق بالمعلومات العامة.

ما أجده مدهشاً في هذه الحالة قلة صبر حاملي هذا النوع من الأجهزة، وتعجلهم معرفة ما إذا كانت قد وصلتهم رسالة إلكترونية جديدة ومعرفة مضمونها، إن كانت قد وصلت، وربما أيضاً الرغبة في الرد عليها فوراً.

لا أعرف بالضبط أسباب ما أشعر به من غيظ في مثل هذه الأحوال، لابد أن من بين هذه الأسباب اكتشافي فجأة أن الذي كان يجلس معنا قد انفصل عنا فجأة واتجه اهتمامه إلى شيء آخر لا أعرفه. ومن الأمثال الشعبية أن «الضحك بلا سبب قلة أدب»، ولكن لا شك أن من الممكن أن نضيف إليه الانصراف بذهنك عمن تجلس معهم دون أن تفصح لهم عن سبب هذا «الانصراف المفاجئ».

هذه الظاهرة تزداد انتشاراً، ولا شك أنها ستنتشر أكثر فأكثر مع انخفاض نفقة هذه الأجهزة وتقليد الناس بعضهم بعضاً. ومع زيادة انتشارها ستصبح هذه الظاهرة معتادة ومقبولة، سيعتاد الناس أكثر فأكثر أن يكونوا معك في الظاهر ومع غيرك في التصرف خارجاً عن اللياقة والآداب، إذ لا بد أن يتحول العمل «المألوف» في النهاية إلى عمل «لائــق».

إن انتشار ظاهرة البريد الإلكتروني جزء بلا شك مما يسمى «ثورة الاتصالات»، إذ أصبح الناس أكثر تواصلاً، ويعرف كل منهم عن الآخرين من المعلومات أكثر مما كان يعرف في أي وقت مضى، لكن اللافت للنظر أيضاً أن الاتصال والمعلومات الأكثر لا تعني دائماً معرفة أوثق أو علاقات أكثر حميمية، ذلك أن قوة العلاقات الإنسانية ودرجة «حميميتها» لا تعتمد على كمية الحديث المتبادل بقدر ما تعتمد على نوع هذا الحديث.

ليس غريباً إذاً، أن يقترن انتشار البريد الإلكتروني بضعف العلاقات بين الناس فلنقارب مثلاً بين مضمون الخطابات التي كان يتبادلها الناس منذ مائة عام مثلاً، وحرصهم فيها على وصف تفاصيل المشاعر والأفكار، وما كان من وقت على كتابة هذه الرسائل والرد عليها، وبين السرعة والاختصار والسطحية التي تكتب بها رسائل البريد الإلكترونية الحالية.

إنها «ثورة في الاتصالات» باعتبار عدد الرسائل المتبادلة فقط وليس باعتبار عمق المشاعر التي يجري التعبير عنها لأناس بالطبع من استخدام النوعية من الرسائل: الإلكتروني الحديث والرسائل المكتوبة بخط اليد، لكن ما نعرفه من أثر التكنولوجيا الحديثة في حياتنا يرجح أن اعتبارات السهولة والسرعة ستنتصر هذه المرة أيضاً على عمق المشاعر وشمولها.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات