انتكاسة في العلاقات الروسية الأميركية

لم تعد التغيرات في العلاقات بين دولتين شأناً خاصاً بهما في ضوء التعقيدات في العلاقات السياسية والدبلوماسية والاقتصادية والأمنية عالمياً بل أصبحت شأناً دولياً ترصده وزارات الخارجية في جميع دول العالم وتتحسب له خاصة حين يطرأ ما هو جديد على العلاقات بين الولايات المتحدة وروسيا الاتحادية.

هذه المقدمة القصيرة نسوقها للتطرق لأبعاد التصعيد الذي اندلع أو الانتكاسة التي حصلت في العلاقات الأميركية الروسية في الأيام الأخيرة، فبعد أن بدا اللقاء الثنائي بين رئيسي الدولتين في هامبورغ على هامش قمة العشرين كأنه بداية مرحلة إيجابية لتطبيع العلاقات بينهما بعد سنوات من علاقات اتسمت بالبرود والجفوة خلال إدارة الرئيس أوباما، وضع الكونغرس الأميركي حداً للتكهنات المتفائلة بشأن مستقبل هذه العلاقات بفرض عقوبات جديدة على روسيا.

هذه العقوبات تدخل مرحلة التنفيذ بعد أن تحظى بموافقة الرئيس ترامب الذي سيوقعها كما أعلن على الرغم من أنه غير راض عنها وذلك لأن إقرارها شبه الإجماعي من قبل الكونغرس بمجلسيه في تحالف غير عادي بين الجمهوريين والديموقراطيين لا يبرم إلا لمواجهة قضية وطنية كبيرة لم يترك له فرصة للمناورة واستخدام حقه الدستوري في رفضها والرهان على عدم قدرة الكونغرس على صمود قراراته بأغلبية الثلثين، فالرئيس ترامب ليس لديه ما للرئيس بوتين من سلطة على صياغة القرارات التي تتخذها دولته، إلا أنه هو الذي يختار أسلوب التنفيذ وسرعته ووتيرته.

الرئيس ترامب بتوقيعه سيفرض قانوناً يتعارض مع تطلعات إدارته التي سبق لها أن صرحت بأنها بحاجة إلى مساحة دبلوماسية للتعامل مع الكرملين. فمشروع القانون الجديد يضع عقبات أمام صلاحياته في رفع العقوبات، فبموجبه سيكون ملزماً على التشاور مع الكونغرس أولاً قبل اتخاذ مثل هذا القرار.

فحوى العقوبات والدوافع لها ليست جديدة فالولايات المتحدة غير راضية على زيادة اعتماد أوروبا الغربية على الغاز الروسي خصوصا بعد التوقيع على اتفاقية «نورد ستريم» بين المستشارة الألمانية ميركل والرئيس الروسي ميدفيدف عام 2011 لمد أنبوبي غاز بطول 1200 كيلومتر تحت بحر البلطيق من روسيا مباشرة إلى ألمانيا ليوزع منها إلى دول أوروبية أخرى وهو مشروع وصفه الرئيس الروسي آنذاك بأنه «خطوة مهمة في توطيد العلاقات مع الاتحاد الأوروبي وألمانيا».

العقوبات استهدفت أنبوب الغاز الثاني المقرر أن تبدأ روسيا بضخ الغاز عبره عام 2019 وتقوم بتنفيذه الشركة الروسية العملاقة غاز بروم مع الألمانيتين «باسف» و«ايون» والهولندية «غاسوني» والفرنسية «جي دي اف سويز». النص الذي وردت به الفقرة الخاصة بهذه العقوبة يمنح الرئيس سلطة فرض عقوبات ضد أشخاص وشركات تقدم بضائع وخدمات أو تكنولوجيا تسهم في بناء الأنبوب.

الرد الروسي على العقوبات الأميركية جاء قاسياً، طرد 755 دبلوماسياً أميركياً، وهو إجراء تأخر لمدة سبعة شهور منذ أعلنت إدارة الرئيس أوباما في ديسمبر 2016 عن طرد خمسة وثلاثين دبلوماسياً روسياً حيث لم تقم موسكو بإجراء مقابل كما هو متوقع في الأعراف الدبلوماسية كبادرة حسن نية تجاه الإدارة الجديدة المتوقعة لديها وهي إدارة الرئيس ترامب.

الفعل الأميركي ورد الفعل الروسي تأتيا تلبية لعوامل محلية في البلدين تذكي الخلافات وتصعد من شأنها، فقد فرضت العقوبات على روسيا عام 2014 على قاعدة ضمها شبه جزيرة القرم أما الآن فالعقوبات الجديدة قد فرضت على قاعدة تدخل روسيا في الانتخابات الرئاسية الأميركية وهو أمر لا يزال قيد التحري فالتحقيقات الجارية حول علاقة أسرة الرئيس ترامب ومستشاريه المقربين مع روسيا لما تنتهي بعد إلا أن أجواءها تفرض حضوراً قوياً في الأوساط الأميركية خاصة في مراكز صناعة القرار لصالح التشدد والرد بقسوة على روسيا وهو ما يفسر الإجماع شبه التام على إقرارها في الكونغرس.

الرد الروسي هو الآخر لم يخل من استجابة لنزعات محلية تتناغم مع المشاعر القومية الروسية خاصة وأن الرئيس بوتين على مقربة من انتخابات رئاسية في مارس المقبل حيث يلقى الدور الذي تلعبه روسيا في صناعة القرارات الدولية كدولة العظمى امتدادا للاتحاد السوفيتي السابق عاملاً هاماً في تعزيز المشاعر القومية الروسية التي يجسدها الرئيس بوتين.

العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة على روسيا أحرجت وأغضبت حلفاءها الأوربيين الذين لم يرحبوا بها خيفة وتوجسا من تداعياتها السلبية على مصالحهم، فهناك جهات أوروبية ترى بأنه لا يحق للولايات المتحدة فرض إملاءاتها على الشركات الأوروبية حول كيفية التعامل مع الشركاء الأجانب. فأوروبا وربما لسنوات عديدة قادمة لن تستطيع الاستغناء عن الغاز الروسي سيما وأنها بحاجة إلى المزيد منه.

في هذا السياق أبدت وزارتا الخارجية في كل من ألمانيا وفرنسا قلقهما من فرض هذه العقوبات وتأثيراتها السلبية على الاقتصاد الأوروبي، كما حذرت المفوضية الأوروبية في بيان لها من أن قيام واشنطن بفرض عقوبات جديدة بحق روسيا لا يخلو تنفيذها من تداعيات سياسية سلبية خاصة حين يشمل شركات أوروبية منخرطة مع شركات روسية في مشاريع ذات طابع حيوي بالنسبة لاقتصاد أوروبا حاضراً ومستقبلاً.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات