إذا توقفت الحرب السورية

ملايين السوريين الذين غادروا بلادهم، جراء الحرب، خصوصاً، إلى دول جوار سوريا، أي الأردن وتركيا ولبنان، إضافة إلى دول أخرى، وصولاً إلى أوروبا، وبقية المهاجر الاضطرارية، لن يعود أغلبهم إلى سوريا، حتى لو توقفت الحرب.

هذا هو رأي سفيرة الاتحاد الأوروبي السابقة في الأردن، التي قالت ذات يوم لمسؤولين أردنيين، إن عليهم أن يستعدوا للتعامل مع لجوء سوري طويل الأمد، قد يمتد إلى عقدين كاملين، ولتلك السفيرة نظرية تفسر بعضا من أسباب هذا الرأي.

هكذا كلام، يستثير السوريين عاطفيا، ويردون عليه بشكل غاضب، بأن أغلبهم سوف يعود إلى سوريا، حالما تتوقف الحرب، لكن للحقيقة أوجهاً أخرى.

علينا أن نشير أولاً، إلى أننا نشهد سنويا، ولادة عشرات آلاف أطفال السوريين، في المهاجر الاضطرارية، وعلى مدى السنوات الست الفائتة، ولد عشرات الآلاف في كل مكان، بما يعني أن أول طفل سوري، ولد خارج سوريا، وبسبب الحرب، يكون اليوم، في عامه الأول في المدرسة، سواء كانت تلك المدرسة أردنية أو تركية، أو أوروبية.

هذا التغيير، ليس سطحيا، إذ إنه مرتبط ببيئة اجتماعية - اقتصادية، اشتبك معها الشقيق السوري، في مغتربه، وبحيث نرى اليوم، أغلب السوريين، وبرغم ظروفهم الصعبة، باتوا جزءا من هذه البيئات، اقتصاديا واجتماعيا، إضافة إلى نشوء أجيال سورية جديدة، تتقن ولو جزئيا، أو كليا، لغات أو لهجات البلدان التي يعيشون فيها، بما يجعل ارتباطهم بهذه الدول وشعوبها قويا، خصوصا، مع الكلام عن بيئة ما بعد الحرب.

بيئة ما بعد الحرب، في التقييمات الدولية، بيئة صعبة جدا، لاعتبارات مختلفة، أبرزها أن هذه البيئة ستكون ثأرية، بين مكونات السوريين، على خلفية الحرب، والأعمال الانتقامية ستكون محتملة، مع انتشار السلاح، ووجود ثأرات نائمة، خصوصا، في المناطق السورية ذات الطابع القبلي.

في هكذا بيئة خطيرة أمنيا لن يغامر أغلب السوريين بإعادة عائلاتهم، هذا إضافة إلى المخاوف من النظام السوري، ومؤسساته - على افتراض أنها بقيت - وما يمكن أن توجهه من اتهامات أو شكوك بحق كل الذين غادروا سوريا، وبحق ميولهم ونشاطاتهم.

يضاف إلى ما سبق أن البيئة الاقتصادية - اجتماعية، لا تخضع للعاطفة التي تتحدث اليوم عن إعادة إعمار سوريا، فالتقديرات الدولية تتحدث عن مئات المليارات، التي تحتاجها سوريا لإعادة الإعمار، وهذه مبالغ غير متوفرة.

العراق الأغنى من سوريا، واجه تعثرا في ملف إعادة الإعمار، وهذا يعني أن ملايين البيوت المهدومة كليا أو جزئيا، لن يعاد إعمارها بسهولة، إضافة إلى الخسائر الفادحة على صعيد المؤسسات الاقتصادية، في القطاعين العام والخاص، وكل هذا يعني أن البيئة من ناحية اقتصادية ستكون طاردة، للسوريين الذين قد يفكرون بالعودة، فلا وظائف، ولا سيولة، هذا في الوقت الذي بات هؤلاء جزءاً من بيئات اقتصادية أقل صعوبة في دول الجوار، وبقية دول العالم، بما يمكنهم على الأقل، من الحد الأدنى للعيش، وسط هذه الظروف غير السهلة.

هذا يقودنا إلى الاستخلاص الأساس، أي أن أغلب السوريين لن يعودوا سريعا، إذا توقفت الحرب، وانتظار هؤلاء لوقت أطول، يعني تثبيت غربتهم القسرية، تحوطا، بعد أن اشتبكت عائلاتهم بمجتمعات المهاجر، على كل المستويات.

لابد أن يشار هنا، إلى أن تقدير أحد الخبراء المتفائلين، يشير إلى عودة ربع السوريين فقط، وهؤلاء من أصحاب العقارات وملاك الأراضي، وليسوا من الطبقة الفقيرة، أو تلك الموسومة سابقا بالوسطى.

كل هذه الافتراضات على أساس، وقف الحرب، لكن الافتراضات أسوأ في حال استمرت الحرب، أو خضعت سوريا للتقسيم على أساس مذهبي وديني وطائفي.

معنى الكلام، أن الشعب السوري، يدفع الثمن مرتين، مرة خلال الحرب، ومرة ما بعد الحرب، ولا يلام السوري اليوم، حين يعبر عاطفيا، عن شوقه إلى بلاده، لكن القرار بالعودة على صعيد العائلات حصرا لن يخضع للعاطفة، بل لتقييمات عديدة، لحظة أن يتاح الأمر، وما يمكن قوله هنا، أن ظاهرة اللجوء، سواء في العالم العربي، أو من أفريقيا، أو أي دول أخرى، نادرا ما تؤدي إلى عودة اللاجئ، حتى بإرادته، ولدينا أدلة على ذلك، للاجئين من دول أخرى، خرجوا طوعا أو قسرا، لأسباب سياسية أو اقتصادية، ولم يقرروا العودة كليا في مرحلة ما، وهذا يفسر في الأساس، ظهور طوائف المهاجرين في كل دول العالم، وثباتهم في تلك الدول، حتى برغم زوال أسباب الهجرة أو اللجوء.

الشعب السوري هو الخاسر الوحيد في هذه المعركة، وهذا مقصود بحد ذاته، في سياقات إعادة إنتاج الخارطة السورية، على الصعيد الاجتماعي، واشتقاقات ذلك، سياسيا ومذهبيا، وهو ما يوجب معالجة هذا الملف، بطريقة مختلفة، حتى لا نصحو على سوريا جديدة، غير تلك التي يعرفها التاريخ، وتحددها الجغرافيا.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات