عن المجتمع المدني.. محاولة لفهم متكامل

نأتي إلى ما نحن فيه وكيف استثمر الغرب الإمبريالي الجمعيات الأهلية، ففي دول العالم الثالث وتحديداً في الدول حديثة الاستقلال تكونت أنواع مختلفة من أنظمة الحكم بعضها مدني جرى تطعيمه بنزعة دينية يتستر بها الحاكم ويتخذها أداة للتحكم غير الديمقراطي مثل شعار «دولة العلم والإيمان» الذي نادى به الرئيس المصري الراحل السادات وأدى إلى نشوء جماعات جديدة ذات نزعة متأسلمة تزعم أنها تأتمر بأوامر السماء ومن ثم تريد أن تحكم باسم بالسماء، وبالمقابل وقع ما يمكن تسميته بعملية «تبادل الأزياء».

فالجنوب الذي تجسدت آلياته الحاكمة في صورة الدولة الوطنية الناهضة التي تحاذر من الوقوع من جديد في مصيدة «الإمبريالية الجديدة» وتعلن رفضها للتدخل الأجنبي (الإمبريالي بالأساس) والتي ترتكب في كثير من الأحيان أخطاء تتعلق بالديمقراطية أو حرية القوى المعارضة في التعبير والقول والفعل وهنا تتبدى الإمبريالية الجديدة في ثياب مصطنعة لتدافع عما تسميه الديمقراطية، معلنة مسؤوليتها العالمية عن تلقين هؤلاء الحكام أصول وقواعد الديمقراطية وحقوق الإنسان متخذة من ذلك سبيلاً للتدخل واكتساب نفوذ داخلي وتجنيد عملاء تستخدمهم في فرض إرادتها على هؤلاء الحكام. وهكذا تأتي الإمبريالية المتوحشة التي تسعى نحو مزيد من النفوذ والاستغلال والسيطرة مستندة إلى من تطويهم تحت جناحها من أصحاب «بوتيكات» منظمات المجتمع المدني.

وكان كل ما سبق محاولة لتفسير ما يمكن تسميته مسألة «التمويل الأجنبي» والحقيقة أن الإمبريالية الغربية المتوحشة لا تدفع مليماً واحداً إلا لتحقيق كسب أو حتى في أحسن الأحوال للتمويه على عمليات تمويل أخرى لجماعات تمثل أحصنة طروادة التي تخترق بها جسد المجتمع.

وهكذا نرى كيف نمت كالفطر مئات بل آلاف من جمعيات المجتمع المدني التي تعتمد على تمويل غربي لا يمكن فهم دوافعه إلا بالرجوع إلى فكرة تبادل الأزياء. ولسنا وبكل وضوح ندين كل أصحاب الجمعيات الأهلية، وهناك آلاف من أحصنة طروادة تستخدم لإرباك الوضع والتداخل غير المبرر في شؤوننا.. وأود أن نتأمل معاً.

• لماذا يحدث تغير كيفي ومثير للدهشة في الوضع الاجتماعي لأصحاب «بيزنس» الجمعيات الأهلية، أنا مثلاً أعرف كثيرين منهم بدأوا في حالة متواضعة جداً تدنو بهم من مستوى الفقر المدقع فإذا بهم وخلال فترة وجيزة يتبخترون بسيارات مرسيدس أو أغلى ثمناً من المرسيدس ويقيمون في فيلات فاخرة ويدخنون سيجاراً غالي الثمن.

• ولماذا يمتلك صاحب بيزنس جمعيات أهلية جمعية ثم تمتلك زوجته جمعية وابنه أو ابنته جمعية؟ والإجابة هي لأن لكل بيزنس تمويلًا خاصاً به.

• ولماذا تنتفض الإمبريالية الحديثة غضباً وعصبية عندما يقوم النظام بلمس أحد أصحاب بوتيكات المجتمع المدني ويحضر سفراؤهم المحاكمات في استخفاف بقضاتنا ويتداخلون على أعلى مستوى للدفاع حتى عمن يرتكبون جرائم غليظة منهم، مثل ذلك الفتى (المسكين - وهو مسكين فعلاً بسبب اندفاعه) الذي أحرق عن عمد متعمد وتباهى بعدها بأنه أحرق المجمع العلمي فأحرق معه كنوزاً لا تقدر بثمن.

ثم يذهب هذا الفتى للمحاكمة فيشتم القاضي بألفاظ بذيئة فيسجنه القاضي ويستأنف محاموه الحكم فيذهب لشتم القاضي مرة ثانية فيحكم عليه ثانية. هل تصدقون أن هذا الفتى كانت شركة كوكاكولا العالمية تردد اسمه في إعلاناتها وأن أوباما شخصياً تدخل للمطالبة بالإفراج عنه، ولست أعتقد أن أي رئيس يمكنه إلغاء أحكام كتلك التي صدرت ضده، وإلا فبماذا يبرر مثلاً للقضاة أنه أفرج عمن سبهم بأبشع سباب!

وفي الأيام الأخيرة تجسد أمام العالم نموذج فريد لأحصنة طروادة أقامهم الملياردير سورس في المجر ومولهم وأتخم جيوبهم بالرشاوى ثم وإذ أراد رئيس الوزراء أوربان أن يتخلص من النفوذ الذي يفرضه سورس صاح فيهم سورس وعلناً انتفضوا ضد اوربان وتشتعل معارك ضارية ودامية.

أخيراً، هذه أحصنة الطروادة التي أعتقد أنه من الضروري ومن الصائب سؤالها من أين؟ وكيف؟ ولماذا؟ والتي تخفي بتمويلها غير النظيف وغير الأخلاقي وغير الوطني حسنات أصحاب النوايا الحسنة والعاملين بإخلاص ودون تربح في الجمعيات الأهلية.

ولهذا أحذر ونحن نناقش حالات التباكي على الديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان من الاندفاع في الدفاع دون تمييز، فإن علينا أن نميز وأن نفرق وبحرص شديد بين من افتتح بوتيكاً وحول حقوق الإنسان والدفاع عنها إلى بيزنس شديد الربحية وبين أصحاب النوايا الحسنة الذين يريدون فعلاً وحقاً الدفاع عن حقوق المواطنين وآمال المصريين من مصريين شرفاء ودون تربح أو تسول.. احذروا لا تخلطوا بين هذا وذاك واتركوا القانون ليمنع اللصوص وأحصنة الطروادة ودافعوا فقط عن الشرفاء.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات