الصاروخ السوفييتي والصاروخ الكوري

"الصاروخ السوفييتي في المعترك السياسي"، عنوان دراسة لأستاذ العلوم السياسية المصري الراحل د.إبراهيم صقر، وتعود إلى ستينيات القرن الماضي وتعد بحثاً رفيع المستوى في الحديث عن التوازن الاستراتيجي وأهمية أدوات الردع في فترة الحرب الباردة ما بين المعسكرين الغربي والشرقي في مرحلة ما بعد نهاية الحرب العالمية الثانية.

في هذه الدراسة وكما هو واضح من عنوانها تحدث أستاذ العلوم السياسية عن متغير جديد على الساحة الاستراتيجية العالمية في النصف الثاني من أربعينيات القرن الماضي عندما أعلن الاتحاد السوفييتي السابق آنذاك عن نجاحه في إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات بقدرة على حمل رؤوس نووية متعددة، وأهمية هذا التطور في حينه تكمن في قدرة الصاروخ السوفييتي الذي وجد طريقه إلى المعترك الدولي على ضرب أي مكان من الدول الغربية بما فيها الولايات المتحدة بقدرات نووية رهيبة.

وقد أدى ذلك إلى إحداث حالة من التوازن الاستراتيجي والقدرة على الردع المتبادل في إطار ما سمي وقتها بالرعب المتبادل، حيث كانت موسكو تمتلك قدرات نووية مدمرة إلا أنها كانت تفتقد إلى ما يسمى بالحوامل أو منصات الإطلاق، الأمر الذي تحقق لها بالفعل بامتلاكها لهذه الصواريخ العابرة للقارات والتي غيرت على أرض الواقع كثيرا من الحقائق الاستراتيجية، ولعل ذلك ظل من ضمن عوامل أخرى حالت دون اندلاع حروب نووية بين المعسكرين حتى تفكك وزوال الاتحاد السوفييتي في ديسمبر عام 1991.

هذه الخلفية التاريخية قد يكون لها أهمية خاصة إذا ما وضعناها ضمن التطورات الأخيرة الساخنة والملتهبة على ساحة شبه الجزيرة الكورية، وعلى رأسها بالقطع إعلان كوريا الشمالية عن نجاحها في إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات وبقدرات نووية من غواصة بحرية، وهو ما أكدته مصادر دولية عديدة محايدة دون أن تنفي الولايات المتحدة نجاح التجربة، بل سارعت إلى إدانتها واتخاذ مجموعة من الإجراءات العسكرية غير المؤثرة كتحليق قاذفات عسكرية أميركية في سماء شبه الجزيرة الكورية ونصب المزيد من منصات منظومة «ثاد» المضادة للصواريخ.

ولعل التطور الأهم وربما الأخطر في هذا المقام هو تصريح الرئيس الكوري الشمالي بأنه أصبح في مقدور الصواريخ الكورية الشمالية الجديدة الوصول إلى كل الأراضي الأميركية وإصابة أهدافها بدقة، أكد ذلك الرئيس الكوري الشمالي بلغة مفعمة بالتحدي والثقة معا في تصعيد واضح لخطابه المناهض لواشنطن منذ توليه السلطة في بلاده، وهو تطور إذا ما تأكدت صحته بالفعل فإنه سيؤدي إلى خلق واقع استراتيجي جديد، ليس على الصعيد الكوري فحسب ولكن على المستوى العالمي ككل، وربما لا تقل أهمية هذا التطور عن أهمية دخول الصاروخ «السوفييتي» المعترك الدولي في أربعينيات القرن الماضي.

المشهد الراهن – بغض النظر عن حجم الرفض الدولي والإدانة العالمية – يعني أن هناك أمرا واقعا جديدا يفرض نفسه بانضمام دولة أخرى تعتبرها واشنطن ودول الغرب دولة مارقة إلى النادي الدولي النووي المقصورة عضويته على عدد محدود جدا من دول العالم، وهي كوريا الشمالية بالقطع التي لم تتأثر بأي عقوبات دولية أو غربية في سعيها لبناء قدراتها النووية والصاروخية تحت سمع وبصر قوى إقليمية أخرى لا يبدو أنها تستاء من هكذا تطورات، والحديث هنا تحديدا عن الصين وروسيا، حيث لا يذهب رد فعلهما عادة إلى أبعد من الإدانة والمطالبة في الوقت ذاته بضرورة ضبط النفس، بينما البرامج الكورية الشمالية ماضية إلى أهدافها بلا لاجم لها.

هذه الحقائق الاستراتيجية الجديدة على أرض الواقع تؤكد في الغالب أن التدخل العسكري الأميركي لإجهاض المشروع النووي – الصاروخي لم يعد ممكنا بأي شكل من الأشكال وأن الولايات المتحدة قد أضاعت بالفعل في السابق كل الفرص التي كانت تستطيع خلالها وقف هذا البرنامج في مراحل مبكرة، فهل هذا يعني أن واشنطن سوف توقف محاولاتها وضغوطها على حكومة بيونغ يانغ لوقف برامجها النووية – الصاروخية؟

الواقع أن واشنطن لم يعد بين خياراتها اللجوء للعمل العسكري في ضوء عوامل استراتيجية من بينها الغموض المحيط بالقدرات النووية الكورية الشمالية والمدى الفعلي الذي يمكن أن تصل إليه، بما يعني أن هذا الغموض في حد ذاته قد يشكل عامل ردع لأي عمل عسكري مهما كان حجمه، فضلا عن الموقف الإقليمي الرافض بالتأكيد لأي تصعيد عسكري في المنطقة.

تبقى الخيارات المؤكدة والأوراق الظاهرة في يد الإدارة الأميركية متمثلة في العمل الدبلوماسي ومزيد من الضغوط على القوى الإقليمية الكبرى في الشرق الآسيوي وصولا إلى ترتيبات أمنية تلبي الحدود الدنيا لواشنطن وحلفائها في المنطقة، وكذلك مزيد من الضغوط والعقوبات من خلال مجلس الأمن الدولي أو تكتل الدول الغربية لزيادة عزلة بيونغ يانغ واضعاف قدراتها الاقتصادية، والأهم توصيل رسائل واضحة بعدم قبول المجتمع الدولي للجموح الكوري الشمالي.

برغم ذلك فإن هذه العقوبات والضغوط لن تؤتي ثمارها ولن تحقق النتائج المرجوة من جانب واشنطن، لأن فشلها في الماضي يؤكد فشلها حاضرا ومستقبلا، ليتبقى بذلك خيار آخر ثبتت فعاليته مع الحالة «السوفييتية»، ويتمثل في العمل المخابراتي الدؤوب بمختلف السبل داخل كوريا الشمالية، ليس لتفكيك برامجها النووية ولكن لتفكيك الدولة ذاتها وإسقاط نظامها، فقد نجحت واشنطن ورفاقها في الفوز بالحرب الباردة بدون إطلاق رصاصة واحدة ولكن بإسقاط المعسكر الاشتراكي بأكمله من خلال تفكيكه من الداخل، وأغلب الظن أن هذا هو النهج الذي ستحاول واشنطن من خلاله إسقاط الدولة الكورية الشمالية ذاتها متى استطاعت إلى ذلك سبيلاً.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات