قراءة في إسعاد المتعاملين

إن كافة التنظيرات الخاصة بعمليات التخطيط التنموي والمتعلقة بالعوامل المؤثرة في نهضة الشعوب تؤكد الدور المحوري للمواطن ذاته، بمعنى أن جميع الخطط التنموية التي تقوم بها الدولة وتهدف إلى تحسين وتجويد حياة المواطن يكون وعي المواطن ذاته بها وإيمانه أنها ما كانت إلا لتحقق الخير والفائدة له، هو الضمانة الأكبر لنجاح تلك الخطط، فهو المستهدف منها والمعني بتنفيذها، ولن تستطيع الدولة أن تجعل رقيباً على المواطن إلا ضمير المواطن ذاته، والشاهد على ذلك أن حملات التوعية الخاصة بترشيد استخدام الكهرباء والمياه لن تنجح بدون إدراك الفرد ذاته لأهمية هذا الترشيد مهما كثرت رسائل التوعية وتعددت إن لم تلق آذاناً صاغية وعقولاً تدرك قيمتها.

الشاهد أن الفرد ذاته هو الهدف من كافة العمليات التنموية، وهو الضامن لنجاحها، أي إنها ليست حالة من طرف واحد، لكنها عملية مشتركة، وعلى كل الأطراف أن تتحمل مسؤوليتها، وأن تقوم بدورها أخذاً وعطاء، تأثيراً وتأثراً.

أقول هذا بعد أن استوقفتني لوحة كبيرة في إحدى الهيئات الحكومية التي يتردد عليها المتعاملون بشكل كبير وقد كتب عليها «معادلة إسعاد المتعاملين»، وتوقفت أمامها أتبين تفاصيلها وملامحها مرة بعد مرة، وبخاصة أنني قد تابعت إطلاق الحكومة الرشيدة لها منذ ما يزيد على العام، التي تهدف إلى ترسيخ مفاهيم السعادة وتعزيزها في مراكز سعادة المتعاملين، لتصبح ممارسة وثقافة في الجهات الحكومية، عبر تزويد موظفي إسعاد المتعاملين بمجموعة من الأدوات والقيم التي تمكنهم من تنفيذ مبادرات الحكومة في مجال تحقيق السعادة والإيجابية.

غير أن الذي استوقفني هو أنها معلنة وبشكل واضح للعيان في تلك الهيئة ومثلها كثير، وتحدد تفاصيل هذه المعادلة من حيث الأدوار التي يجب أن يقوم بها العاملون في المؤسسة، فضلاً عن تلك التي يجب أن يقوم بها المتعامل، وكأنها عقد بين طرفين.

لقد دأبت الإدارات الحكومية في عالمنا العربي على أن يكون توجيه العاملين من خلال مكاتبات واجتماعات وفي غرف مغلقة بعيدة عن المعنيين وأصحاب الشأن، وهم المتعاملون والمراجعون، غير أن هذه المعادلة -وإن شئت الوثيقة- هي السبيل الأمثل لتحديد المهام والواجبات التي تجعل من الشفافية منهجاً إدارياً ناجزاً ومحفزاً.

ولا شك أن وضوح الأهداف والغايات هو السبيل الأمثل للتخطيط السليم الذي يوفر الكثير من الجهد والوقت وتعظيم استخدام الموارد المتاحة كما تخبرنا علوم الإدارة وخبراؤها.

من هنا فإن الهدف الأسمى لهذه الوثيقة: خدمة «تحقق إسعاد المتعاملين» هو قول جامع لكافة التفاصيل، وهو ما يمكن أن نطلق عليه كما يقول أهل اللغة تفصيلاً بعد إجمال.

وعبقرية هذا الإسعاد الذي يفوق عملية الرضا إلى مرحلة أكثر تأثيراً هي أنه ليس من طرف واحد لكنها حالة متكاملة تنتقل بالعدوى إن صح التعبير؛ فالمتعامل في جهة ما هو موظف في جهة أخرى، والموظف الذي استقبله اليوم هو المتعامل الذي سيذهب إليه غداً، وحالة السعادة التي وجدها في تأدية خدماته لا شك أنه سيقابلها بالمثل عندما تتاح له الفرصة ليؤدي الخدمة للطرف الآخر، كما أن المنافسة والتباري في طريق التميز هي حالة إنسانية طبيعية إذا ما وجدت البيئة المواتية لذلك، لتصبح كافة المؤسسات والقطاعات والهيئات حلقات من المنافسة في طريق الأفضل كما هي حالة "الأواني المستطرقة" وليصبح المجتمع كله في حالة من الاستنفار لتقديم الأفضل، وهي الحالة الدافعة لعمليات التخطيط.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات