مأزق الإخوان

منذ تأسيس جماعة الإخوان بقيادة حسن البنا في العام 1928، لم تواجه الحركة مأزقاً أكبر من مأزقها الحالي. وقد واجهت الحركة في السابق معضلات كثيرة في مواجهة السلطات المتعاقبة في مصر وفي بلدان عربية عديدة.

ودخلت في صراعات مع هذه الحكومات والتي كانت ترى في منهج وأسلوب عمل الجماعة تهديداً لاستقرار بلدانها.

وقد شكلت جماعة الإخوان مليشيات مقاتلة وجهازاً سرياً للقيام باغتيالات ضد الساسة والقضاة. وقد خسرت الجماعة مؤسسها في هذه المواجهات.

وتجرع الإخوان من كأس العنف الذي أعدوه لخصومهم وسقط حسن البنا المؤسس والمرشد الأول للجماعة في عملية اغتيال في العام 1949، كما كان للجهاز السري دور في محاولة اغتيال الرئيس جمال عبدالناصر مما أدى إلى قمع الحركة حينها وإعدام أهم منظريها السيد قطب في العام 1966 بتهمة التآمر لقلب نظام الحكم.

وقد صدر عن مركز بيلفر للعلوم والشؤون الدولية بكلية كيندي في جامعة هارفرد، تقرير حديث عن «الإخوان المسلمين: فشل التطور». وقد كتب التقرير الباحث السعودي نواف عبيد والذي يشغل منصب زميل في مركز بيلفر ومستشار غير رسمي للمملكة.

ويرى نواف عبيد أن هناك ثلاثة أسباب رئيسة منعت تطور الحركة إلى حزب ذي شعبية كبيرة بين الجماهير. أولاً، أن الحركة استخدمت الدين كسلاح أيديولوجي حاولت من خلاله أن تتوسع سياسياً. وعلى ما يبدو فإن هناك رفضاً شعبياً لإقحام الدين في كثير من العمل السياسي.

السبب الثاني لفشل الجماعة هو عدم نجاح الحركة في خلق توافق وإجماع بين أعضائها، فالانقسامات بين أعضائها طالت الحركة في كثير من مراحل ومسيرة الإخوان، وقد كانت الانقسامات حول أساسيات الجماعة من ناحية تطبيق الشريعة ووسيلة تطبيق الشريعة واستخدام العنف السياسي وبأية درجة، وقد أدى ذلك إلى تبرم الناخب من التفكك الأيديولوجي للحركة.

وثالثة الأثافي، تلكؤ الحركة والتملص من شجب العنف والإرهاب كوسيلة سياسية، وقد اتخذت الحركة في أكثر من بلد موقفاً مراوغاً حول الإرهاب إذ تدعي رفضه بينما تتغزل بممارسي الإرهاب كالقاعدة، وقد ذكر نواف حضور أعضاء من حركة الإخوان الأردنية (جبهة العمل الإسلامي) في خيمة العزاء المقامة بعد مقتل ابومصعب الزرقاوي، كما أن هناك تقارير، كما يقول نواف، تشير إلى أن قادة الجبهة شجبت الحرب على داعش ودعت لدعم دولة داعش.

ويخلص التقرير إلى أن حركة الإخوان ارتكبت عدة أخطاء أفشلت الحركة في الوصول إلى سلطة ناهيك عن اكتساب شرعية واسعة، وأحد الأسباب لهذا الفشل هو التصلب الأيديولوجي وعدم تبني سياسات براغماتية تتيح للحركة التحول من حركة إلى حزب حاكم، كما أن تكوين الحركة يؤدي إلى تشرذمها بمجرد تغير التكتيكات السياسية.

ورغم أن هذه الدراسة مهمة وتسبر أغوار الحركة تاريخياً وعبر تواجدها الجغرافي المتعدد إلا أنها تركز كثيراً على سياسات الحركة أكثر من أنها تضع اصبعها على داء الحركة المتمثل في إشكاليتها البنيوية، وهي الإشكالية التي أوقعتها في مأزقها الحالي.

وتتعلق هذه الإشكالية بعدم قدرة الإخوان للتكيف مع الواقع المعاصر المتمثل في تحولات كبرى في العالم العربي واندماج الأقطار العربية في النظام الدولي العولمة الاقتصادية والثقافية، وان الأيديولوجية الشمولية لم تعد تتماشى مع العصر، كما حصل مع الشيوعية في العقود الماضية.

ولعل المقارنة بين الأحزاب المسيحية الديمقراطية يلقي الضوء على هذا المأزق في سياق تاريخي وجغرافي مختلف. فالأحزاب المسيحية الديمقراطية والتي انتشرت في بلدان أوروبية وأمريكية لاتينية عديدة تعود بجذورها إلى الأحزاب الطائفية الكاثوليكية والتي ظهرت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين كحركات مضادة لصعود الأحزاب الليبرالية.

وقد تطورت الأحزاب الديمقراطية المسيحية على أساسين، أولهما القدرة على احتواء قدر من التنوع الاجتماعي وبذلك أصبحت هذه الأحزاب خيمة تتسع للجميع؛ وثانيهما، قدرتها الخلاقة للحفاظ على الدين وتخفيف لكنته في نفس الوقت، وعلى هذين الأساسين استطاع الحزب أن يدمج الفوارق الطبقية وأن يتقبل كثيراً من التناقضات ويسمح بالتعددية.

ورغم أن هذه الأحزاب حدت من الارتباط المؤسساتي مع الدين أو الكنيسة، إلا أنها لم تستطع أن تتخلى عن الدين والذي هو اللاصق الذي يشد المجموعات المتنوعة بعضها ببعض. وقد استطاعت هذه الأحزاب أن تتخلص من هذه المعضلة بطرق خلاقة بإعادة تعريف الدين بمفاهيم ضبابية إنسانية وأخلاقية سمح لها أن تكون علمانية ومسيحية في آن واحد، وقد باتت التعابير الغامضة مثل «الإلهام الديني» و«قيم الحضارة المسيحية»، هي الألفاظ الوحيدة المستخدمة في الخطاب الرسمي لهذه الأحزاب. ولا غرو أن تجد اليوم عضواً في الحزب الديمقراطي المسيحي وهو ملحد أو مسلم أو هندوسي؛ بل الأغرب أن لا أحد يرى في ذلك تناقضاً.

هنا يكمن المأزق الإخواني في عدم القدرة على التكيف لأسباب بنيوية وقيادة غير خلاقة وأيديولوجية متصلبة والخروج من عباءة الدين إلى فضاء مدني أرحب يضم الجميع.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات