العالم و"الصحوة الإسلامية"

في نهاية عقد السبعينيات وبداية عقد الثمانينيات ظهر في العالم العربي ما وصف بأنه «صحوة إسلامية» سوف ترمي بظلالها ليس فقط على البلدان العربية والإسلامية، بل على العالم بأسره لعقود طويلة قادمة.

وبدت «الصحوة» آنذاك، كما لو أنها رجعة قوية إلى مبادئ الإسلام وقيمه ومظاهره السمحاء، التي غيبها التغريب والحداثة والاستعمار وما إليه.

لهذا فقد حظيت في البداية بتأييد من التيارات المسلمة المعتدلة، التي رأت فيها انتصاراً للإسلام والمسلمين، وخطوة في سبيل استرجاع مجد الحضارة الإسلامية وشمسها التي أشرقت ثم انحسرت، وكان الأمل أن تنتصر مبادئ الإسلام وقيمه الجميلة، وأن تكون نبراساً للأجيال الجديدة التي فقدت القدوة، وأن تحضه على العمل الجاد والتفكير الناقد والتحليل المنطقي، الذي يكون خطوة في سبيل استعادة مجد الحضارة الإسلامية التي سطعت من الصين إلى إسبانيا.

كان الأمل كبيراً في تلك «الصحوة»، لكن سرعان ما انقشعت الغيمة عن واقع أخر، فالذي سطع وامتد اقتصر على المظاهر مثل قيام الرجال بإطلاق اللحى وارتداء النساء للزي الإسلامي، من دون الاهتمام بما يعنيه الإسلام الحقيقي للعالم.. لكن الإسلام ليس فقط مظاهر مادية، وإنما عمق روحاني وحضاري أعمق بكثير من تلك المظاهر التي أصبحت بالنسبة للآخر تمثل الإسلام.

ذهبت تلك «الصحوة» إلي أبعد من ذلك، فقد بدأت معظم العائلات في تعليم أولادها مبادئ الإسلام الشرعية وتحذرهم في الوقت نفسه بضرورة الابتعاد عن كل ما أسمته مظاهر«التغريب والكفر».

وتدريجياً أخذت تلك المظاهر أبعاداً سياسية، مع بدء أولئك «المتأسلمون» يتمذهبون بما أسموه بمبادئ الإسلام السياسي، وقاد ذلك إلى دخول العالم العربي والإسلامي في نفق لن يخرج منه بسلام، فقد انقسم العالم الإسلامي إلى جماعات وفرق وجندت كل جماعة وفرقة فقهاء ورجال دين لتمرير أجندتها ونشر دعوتها، وسرعان ما تلقفت بعض الأنظمة السياسية تلك «الصحوة» وجندتها لحسابها لتحقيق مصالحها الفئوية والسياسية والإقليمية.

وتدريجياً ابتعدت تلك الصحوة الإسلامية التي بدأت في الثمانينيات عن معظم ما دعا له الدين الإسلامي من حشد الطاقات ومبادئ الإسلام السمحة كالإخاء والمساواة، إلى اتخاذ كل ما يفرق المسلمين من نعرات طائفية ومذهبية لتمرير أجندتها السياسية خاصة بعد أن تلقفتها تيارات سياسية وحزبية لها أهداف سياسية وأيديولوجية.

كما أنارت الحضارة الإسلامية طريق العالم ونشرت الثقافة والعلوم والآداب وخلقت ثقافة عالمية جمعت تحت رايتها أجناساً من مختلف الثقافات والأعراق، استطاعت ثقافة تلك الجماعات المتطرفة، التي رفعت رايتها ثلة من «المتأسلمين» أن تجمع تحت رايتها جماعات وأعراقاً من مختلف الأجناس والأصقاع، وإن اختلفت الأهداف.

هدف الحضارة الإسلامي هو نشر مبادئ الإسلام الحقيقية الرائعة وقيمه القائمة على التسامح والمحبة، بينما هدف تلك الجماعات الجديدة هو نشر الفوضى والعنف.

أما قيمهم القائمة على الراديكالية والتطرف فتعتمد على العنف والإقصاء والتهميش ونبذ الآخر، وشتان ما بين الحضارة الإسلامية الصحيحة وقيمها، وقيم تلك الجماعات المتطرفة وما تدعو إليه ومن يقف ورائها ويؤيدها.

لقد اصطبغت العقود الأخيرة من القرن العشرين والعقد الأول من القرن الحادي والعشرين بصبغة طاغية، تمثلت في الصراع الدامي بين تلك الجماعات الراديكالية من جهة والتيارات الإسلامية المعتدلة، التي تحاول أن تسترجع الإسلام من الذين خطفوه وشوهوه، من جهة أخرى.

بلغ الصراع من الشدة والدموية بحيث سالت دماء آلاف الضحايا من البشر الذين طحنتهم الآلة الإرهابية التي جندها أولئك الإرهابيين. وعلى الرغم من عدم تحقيقها لنصر معين إلا أن تلك التيارات الإرهابية مصرة على تحقيق أهدافها المرسومة لها بدقة وعناية، فنقلت معاركها من داخل العالم الإسلامي إلى خارجه، في محاولة مستميتة للفت الأنظار وكسب الأتباع.

على الرغم من إدراكها أن المعركة في النهاية هي معركة خاسرة لأنها فاقدة للشرعية، إلا أن إصرار تلك الجماعات الراديكالية مثير للانتباه.

فما إن تخسر ميداناً حتى تحرك خلاياها النائمة في ميدان أخر، لكنها معركة بين الحق والباطل بين الإسلام الحقيقي والإسلام غير الحقيقي أو المزيف.

لقد علمتنا دروس التاريخ بأن الإسلام منذ مبعثه وحتى هذه اللحظة واجه العديد من الأخطار الأيدلوجية والفكرية، وقد تغلب الإسلام عليها، ليس لأن قوة قوية تقف وراءه، وإنما لأن مبعث القوة من داخله، من مبادئه السمحة التي تناقض اليوم كل ما يحاول الآخرون تشويهه.

هذه المبادئ والقيم هي التي تجعل الإسلام ديناً وعقيدة ينتصر في كل مرة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات