تعتبر منطقة شمال العراق واحدة من أكثر المناطق التي دارت فيها رحى الحروب على الإطلاق، حيث تنتشر في جميع أجزائها التحصينات القديمة والحديثة على السواء.
خارج أربيل وقعت قديماً معركة غاوغاميلا التي تمكن فيها الاسكندر الأكبر من هزيمة الفرس، كما قاتل جنود صدام حسين الأكراد في هذا المكان قبل عقود، غير أن المعركة التي امتدت تسعة أشهر بين قوات الحكومة العراقية و"داعش"، والتي انتهت أخيراً، ربما تعتبر أكثر المعارك أهمية وحسماً دارت في المنطقة على الإطلاق.
وقد انتهت بإحراز قوات الحكومة العراقية نصراً تاريخياً على "داعش"، مما سيساهم في تشكيل المستقبل السياسي ليس للعراق فحسب، ولكن لمنطقة الشرق الأوسط بأكملها.
تنظيم داعش الذي امتلك على امتداد ثلاث سنوات جيشاً وإدارة واحتل أرضاً، مما جعله أكثر قوة من العديد من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، تعرض الآن لهزيمة نكراء. وسيتحول الآن لحرب العصابات، لكنه لن يستطيع امتلاك آلية دولة بعد الآن تمارس من خلالها حكمها الوحشي.
وتحتاج الطبيعة الحاسمة لما حدث في العراق للتو للتأكيد عليها نظراً لأن تواصل العنف هناك ربما سيعطي انطباعاً خاطئاً بأنه لم تحدث تطورات جذرية كبيرة، ولدى العراق تقليد عريق في الثقة الزائدة عن الحد لبعض الحكام في إعلان النصر فيه، كما حدث لجورج بوش في عام 2003، لكنا رأينا كيف أن هذا النصر المفترض قد تبخر في غضون أشهر أو سنوات قليلة.
سيكون هناك مزيد من القتال نظراً لأن "داعش" لا يزال يتمسك ببعض الجيوب في العراق في تل عفر بغرب الموصل، والحويجة بالقرب من كركوك، لكن هذه الجيوب منعزلة وسيتم اجتياحها قريباً.
في سوريا يسيطر "داعش" على الرقة والبلدات الجنوبية على امتداد نهر الفرات، وإجمالاً، سيختبئ التنظيم في المستقبل في المناطق الصحراوية بغرب العراق وشرق سوريا، ويمكنه شن غارات وهجمات إرهابية خاطفة، لكنه لن يشكل تهديداً خطيراً على السكان كما حدث بين عامي 2014-2017.
في الآونة الأخيرة، ظلت حكومة بغداد تعلن باستمرار وبصورة مثيرة للإحراج عن القضاء على تنظيم داعش بصورة نهائية في المدينة القديمة من الموصل، ولا يوجد شك فيمن كسب المعركة.
لكن رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي انتهى به الحال بالقيام بزيارته الانتصارية للمدينة، فيما كان يسمع صوت القنابل وهي تتساقط وتنفجر وأزيز الرصاص يلعلع في الخلفية، فيما كان المسؤولون يتسابقون ليكونوا أول من يعلن النصر على "داعش".

والسؤال هو من الفائز الحقيقي والخاسر في هذه المعركة؟ حتماً الحكومة العراقية ليست الفائز الأكبر، و"داعش" ليس الخاسر الأكبر. بل سكان الموصل فهم تخلصوا من التنظيم الإرهابي، ولكن مقابل ثمن مروع على حسابهم.
مساحات كبيرة من الموصل تحولت إلى أنقاض، وبعض المناطق تضررت بصورة غير قابلة للإصلاح، وحتى يستحيل زيارتها نظراً لأن شوارعها ممتلئة بالركام.
سكان منطقة الجديدة مثلاً يشتكون جميعاً من أنه لا يتواجد الكثير من مقاتلي "داعش" في منطقتهم، ولكن إذا تصادف وجود قناص "داعشي" أطلق رصاصة واحدة من إحدى البنايات الكبيرة هناك، يتم فوراً استدعاء سلاح الجو العراقي لتسوية المبنى بالأرض.
إزاء هذا الوضع، تفسر الخسائر البشرية الهائلة في أوساط المدنيين، نتيجة لمنع "داعش" سكان الموصل من الهرب لاستغلالهم كدروع بشرية.
أطلق قناصو التنظيم الإرهابي النار على الذين حاولوا الهرب، كما أغلقوا الأبواب المعدنية للمنازل على قاطنيها ولحموها بالأكسجين، ومن الصعب التفكير بأي مثال آخر من الحصار يتم فيه جر المدنيين كالقطيع لمنع استهداف مقاتلي "داعش" بالهجمات الجوية أو بالمدفعية.
الاستجابة التامة لقادة التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة ضد "داعش"، الذين نسقوا الهجوم على غرب الموصل يظهر أننا نعود إلى عصر حرب فيتنام حينما كان الجنود الأميركيون يشعرون بالسعادة وهم يتدافعون للتطوع في الحرب لإنقاذ المدنيين المحاصرين في مناطق مأهولة بالسكان في فيتنام الجنوبية آنذاك.