حاول باحثون معرفة «أي جيشٍ من جيوش الحلفاء، برأي المشاركين، لعب الدور الحاسم في تحرير أوروبا من الفاشية الألمانية»، فجاءت النتائج صادمة، حسب تقرير موقع «روسيا اليوم»، حيث اعتبر أن شعوب ألمانيا وبريطانيا وفرنسا، المستهدفين بالدراسة، قد نسوا الدور الروسي الحاسم في تدمير «78 في المئة» من الترسانة الحربية للنظام الألماني وحلفائه.
بصرف النظر عمن سحق الألمان، تبقى حقيقة ماثلة أن المرء ينسى ما يعترضه شخصيا من مآسٍ، فكيف لا ينسى حقبة تاريخية مريرة.
ذلك أن من نظريات تفسير النسيان بعلم النفس ما يشير إلى أن تركنا للخبرات والمعلومات السابقة يعرضها للضمور. فما نمارسه يوميا نتذكره، مثل اسم زميل في العمل، لأنه مخزن في الذاكرة القصيرة المدى. أما حينما نشاهد زميل طفولة غائبا لفترة طويلة فنحتاج لوقت أطول لاستدعاء اسمه من الذاكرة الطويلة المدى، التي تخزن الخبرات والمعلومات المنسية. وقد ننسى بسبب تداخل معلومات جديدة مع قديمة.
ومهما كان السبب، يبقى النسيان عنصرا فاعلا في التحكم في مزاجنا ونظرتنا لمجريات الأحداث من حولنا.
أعرف عددا من الأشخاص غير المتسامحين، العامل المشترك بينهم أنهم لا ينسون الإساءة إليهم مهما صغرت، فزلات الناس معهم لا تمر مرور الكرام من دون أن تحدث جرحا غائرا، غير مبرر في أحيان كثيرة.
ولحسن الحظ يمكن أن يدرب المرء نفسه على تجاوز معضلة صعوبة نسيان الأحداث المؤلمة بالمران و«تصنع النسيان»، حتى يصبح سلوكا متأصلا، مصداقا للحديث النبوي «إنَّما العِلْمُ بالتعلُّمِ وإنَّما الحِلْمُ بالتحلُّمِ» وهو ما أكدته دراسة تطرقت إليها سابقا.
غير أن المشكلة الحقيقية ليست في عدم نسيان الإساءة، بل في تضخيمها في نفوسنا، واجترار مشاهدها، حتى يتغلغل فينا الحقد.
هنا نصبح أسرى الحوادث ونفقد السيطرة، فنتحرك وسط هالة من الحقد الدفين، وسوداوية النظر لمن حولنا.
لا شك أن الإساءة مؤلمة، لكن الحق أن الحكمة في التعامل معها هي التي توقف المسيء عند حده، وهي التي توقف سيل التفكير السلبي الذي يجنح بِنَا نحو الرغبة في الانتقام التي ما إن تهيمن علينا حتى نفقد روح الاتزان والتوازن. ويجب ألا ننسى أن بعض الإساءات لا تحتاج سوى مزيد من التجاهل.
هناك من يرى في النسيان «نقمة»، لكنه في حقيقة الأمر نعمة، لأنه يطوي معه ذكريات الماضي الأليم.