كان الأستاذ المرموق الإفريقي والعربي الأصل علي مزروعي يرى بين الصهيونية ونظام الأبارتايد تشابهاً كبيراً معنى وصورة. فنظام الأبارتايد قام على تأسيس تفوق عنصري حصري للبيض على حساب الأغلبية السوداء من المواطنين الأصليين. وكذلك الحال مع الحركة الصهيونية التي حاولت تشكيل أغلبية يهودية في وطن الفلسطينيين بعد طردهم وتشريدهم.

وفي حالة الأخيرة لم تكتفِ بالتطهير العرقي فحسب، بل أصدرت تشريعاً يتيح لكل يهودي من أصقاع العالم بالهجرة إلى فلسطين والحصول على الجنسية الإسرائيلية، بينما الفلسطيني المولد في أرض فلسطين لا يحق له العودة بعد أن هجر قسراً من وطنه.

وفي العام 2006، نشر الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر كتاب «فلسطين: السلام لا الأبارتايد». وكانت حجة الرئيس كارتر أن حالة الضفة الغربية ينطبق عليها وصف الأبارتايد، رغم أنه أوضح أن الدافع ليس عنصرياً بقدر ما هو طمع في الأراضي الفلسطينية التي يريد الإسرائيليون أن يستحوذوا عليها غصباً. وقد أثار هذا الوصف حفيظة أنصار إسرائيل في الولايات المتحدة بما فيهم الساسة وقادة الحزب الديمقراطي.

وفي هذا العام 2017، أصدرت لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (إسكوا) تقريراً بعنوان «الممارسات الإسرائيلية تجاه الشعب الفلسطيني ومسألة الأبارتايد» الذي قام بكتابته ريتشارد فولك، خبير القانون الدولي، وفيرجينيا تيلي، عالمة السياسية الأميركية. ويقول التقرير: «إن الأدلة المتوفرة تشير بما لا يدع مجال للشك أن إسرائيل مذنبة بسياسة وممارسات تشكل جريمة الأبارتايد حسب التعريف القانوني لوثائق القانون الدولي».

ورغم أن التقرير أزيل من موقع لجنة الأمم المتحدة الإسكوا، إلا أن التقارير الصحفية، بما فيها الإسرائيلية، تشير إلى أن التقرير انتقد بشدة قانون «العودة الإسرائيلي» الذي يمنح حق العودة لليهود من أي قطر أو قارة للحصول على الجنسية الإسرائيلية ولا يمنح نفس الحق للمواطنين الأصليين من الفلسطينيين. ويستهجن التقرير هذا القانون الذي يسعى من خلاله إلى خلق واقع ديموغرافي يعزز من الأغلبية اليهودية في فلسطين.

ويشير الملخص التنفيذي للتقرير إلى أن صفة الأبارتايد أطلقت على النظام الإسرائيلي برمته على أسس قانونية تتعلق بجرائم الأبارتايد التي لا تشير إلى الواقعة التاريخية في جنوب أفريقيا سابقاً بل إلى حالة عامة تسيطر فيها مجموعة عرقية على مجموعات عرقية أخرى بشكل ممنهج بغرض ديمومة هذا النظام.

ويؤكد التقرير أهمية «الغرض» و«القصد» وهما مفتاحا فهم نظام الفصل العنصري أو الأبارتايد؛ أي إن النظام موضوع بغرض السيطرة العرقية والقصد ترسيخ هذه السيطرة. فعلى سبيل المثال، فإن القانون الأساسي لإسرائيل (الدستور) الذي يمنح هيئة الأراضي صلاحية إدارة وتطوير كافة أراضي الدولة يمنع تحويل أي ممتلكات بما فيها الأراضي من تحويلها إلى أو استخدامها من قبل غير اليهود.

أما بشأن الهجرة فإن قانون العودة كما أسلفنا يسمح لليهود من جميع البلدان الهجرة إلى إسرائيل والحصول على جنسيتها بمجرد الوصول إليها ولا يمنح نفس الحق لمن يملكون وثائق على انتمائهم إلى الأرض. ورغم أن القانون الإسرائيلي يجيز إقامة عائلات حملة الجنسية الإسرائيلية مع ذويهم إلا أنه يستثني فلسطينيي الضفة الغربية من هذا الحق، ويعتبر التقرير أن هذا نوع من الهندسة الديموغرافية لسيطرة اليهود على الفلسطينيين.

ويرى التقرير أن الجدار الفاصل والذي اعتبرته محكمة العدل الدولية غير شرعي أحد ركائز نظام الأبارتايد. ويعزز هذه الجدار من تشتيت الفلسطينيين جغرافياً واستراتيجياً لمنعهم من مقاومة نظام الفصل العنصري. وإذا ما راجعنا تاريخ الحروب الإسرائيلية وضم الأراضي بالقوة وإطالة مدة الاحتلال فإننا نلاحظ كيف نجحت إسرائيل في تقسيم الشعب الفلسطيني إلى مناطق تحكم بقوانين مختلفة.

ويقول التقرير إن الفلسطينيين مقسمين إلى أربع مناطق توطد من السيطرة العرقية على الشعب الفلسطيني:

1. منطقة يسود فيها قانون مدني مع بعض القيود يحكم الفلسطينيين الذين يحملون الجنسية الإسرائيلية.

2. قوانين الإقامة الدائمة، وتخص الفلسطينيين من سكان القدس.

3. القوانين العسكرية التي تحكم الأراضي المحتلة بما فيها معسكرات اللاجئين منذ 1967.

4. سياسات تمنع عودة أي فلسطيني مقيم خارج الأراضي التي تقع تحت سيطرة إسرائيل، سواء كان لاجئاً أم منفياً.

ويخلص التقرير أن هذه التقسيمات الأربعة إذا ما أخذت بشكل إجمالي فإنها تشكل نظام سيطرة أسس لغرض وغاية الهيمنة العرقية على غير اليهود في الأراضي التي تسيطر عليها دولة إسرائيل، وأن هذا النظام للسيطرة العرقية هو نظام أباراتايد أو الفصل العنصري.

وبعد نشر التقرير، هرعت إدارة دونالد ترامب إلى مطالبة الأمم المتحدة أن تنأى بنفسها عن هذا التقرير. وطالبت سفيرة الولايات المتحدة إلى الأمم المتحدة بإلغاء التقرير معلنة سخط واشنطن تجاه التقرير. وقالت: إن التقرير المسيء لإسرائيل، ولا عجب، يأتي من منظمة كل أعضائها لا يعترفون بإسرائيل.

وعملت الولايات المتحدة بكل ثقلها الدبلوماسي والمالي لإجبار الأمين العام لسحب التقرير. وهكذا فعل؛ مما حذا بالأمينة التنفيذية للإسكوا، ريما خلف، بالاستقالة عن منصبها معربة عن تأنيب الضمير لطمس الحقيقة من قبل الأمين العام بسبب الضغوط الهائلة التي تعرض لها من القوى الكبرى.