بعد أن بدأت حالة المكاشفة والمصارحة وكشف المستور، وبيان حقيقة الأمور مما تقوم به قطر من دعم للإرهاب، وتقديم ملاذ آمن للإرهابيين ودعاة الفتنة على أرضها أعاد مستخدمو وسائل التواصل نشر فيديو للقرضاوي وهو يبرر ويُبيح العمليات والتفجيرات الإرهابية، ومشكلته الوحيدة معها أن لا تكون هذه التفجيرات والتصرفات فردية إنما يريدها أن تكون بأمر وتخطيط من الجماعة.
التابعون أو بعض المتابعين لأمثال القرضاوي وغيره ينظرون إليهم نظرة المبجل الذي لا يخطئ، وأن كلامهم مصدق حتى وإن تعارض مع كلام الله وسنن نبيه ﷺ، بل يبررون ذلك بأنها (للضرورة أحكام)، حتى وإن كانت أحكامها تقتضي سفك الدماء وإثارة الفتنة والبلبلة بين الناس، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق.
جاهلية عقيمة أصنامها آدميون من لحم ودم، ولهم أصواتهم ومنابرهم التي يعتلون بها على الناس ليدلوا بدلوهم، وما دلوهم إلا دسائس الفكر وأجندات أيديولوجية سياسية مدفوعة الثمن يوهمون الناس بأنها جهاد في سبيل الله، أو دفاع عن دين الله الحق.
(الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ) [يوسف: 51]، كما في قوله تعالى، ولقد انكشف الحال وبان المستور، فما حالنا إلا جاهلية صنعها دعاة فتنة غيبوا العقول ليجعلوا من أنفسهم أشخاصاً مبجلين، وما المستور إلا مخططات مشينة خطط لها معزبهم، وما العمل إلا الرجوع إلى أساس الدعوة الإسلامية لتثبيت العقول وتغيير فكرها وتهذيب النفوس على الحق، ومن بعدها لكم ما تشاؤون من المضي على الصراط المستقيم، والامتثال لأوامر الله وعبادته وسنن نبيه بعيداً عن دعاة الأهواء والمصالح والآراء.
في ظل التخبط الإسلامي بانشقاقاته وتنازعاته والذي أدى إلى نشوب خلافات دامية، أساس الخلاف فيها الانحراف المتباين والمختلف والمختل في مظان العقيدة الإسلامية، والتي أساسها (أن لا إله إلا الله و أن محمداً رسول الله) اعتقاداً جازماً، وعن اقتناع و دون إكراه لأن طبيعة الإيمان تأبى الإكراه بقوله تعالى {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} [البقرة: 256].
و قوله: {أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ}[يونس:99] ، ولذا لزم في هذا الزمان إعادة تجديد المسيرة المحمدية المكية لإعادة بناء فكر سليم، ومن ثم الانتقال تدريجياً لتصحيح المسار بشكل كامل ومتكامل.
قضى رسولنا ﷺ في دعوته في مكة المكرمة أكثر مما قضاها في المدينة، وهو يحاول أن يغيّر الفكر الراسخ بالعقول، والخروج بعقول تنادي بتوحيد الله تعالى والابتعاد عن الشرك والإشراك بكافة أشكاله ودرجاته، وتطهير النفوس من حب الشهوات وملذات الحياة الدنيا قبل الانتقال إلى مرحلة العبادة، والتي فُرض أغلبها بعد الهجرة لا قبلها، حيث لم يُكلف الناس في بداية الدعوة إلا بالتوحيد، فالدعوة المكية جاءت خالصة لتغيير الفكر والأفكار، والرجوع بالإنسان إلى أصله الفطري.
من أهم ما يميز الدين الإسلامي أنه جاء ليغيّر السلوك البشري إلى الأفضل، ولن يتغير هذا السلوك إلا إذا تغير المحرك الأساسي والمنبع لهذا السلوك ألا وهو الفكر المتحكم بالأفعال وردود الأفعال، وهذا ما جاء الإسلام به لكي يقوّمه، ويجعله متوازناً ومتوافقاً مع شريعة الله الجديدة التي أرادها لعباده، وأرادهم أن يُجبلوا عليها.
ويتخذوها منهجاً لحياتهم قبل اتخاذهم لها بأنها تعاليم دينية مفروضة يُحاسب المتخلفين عنها وإن كانت هي كذلك من زاوية أخرى، لكن دعاة الفتنة حجموا العقول ولعبوا وبدلوا في أفكارها تنفيذاً لمصالحهم ومصالح من يحتضنهم.
ربما مسألة التجديد أو الرجوع إلى نقطة الصفر وإعادة بناء العقول والنفوس وإخراجها من جاهليتها قد يراه البعض أو الغالبية مرحلة قد انتهت، وذلك لأن الجاهلية والشرك بالله قد انتهى أساساً منذ بدء الرسالة المحمدية، لكن الواقع يقول عكس ذلك، فالجاهلية حالة غير مرتبطة بزمان ولا بمكان، وما نراه على أرض الواقع من سيرة ومسيرة أغلبية المسلمين أنهم يعيشون بدهاليز الجهل رغم سطاعة النور الذي يقودهم إلى الحق، والمصيبة أن دعاة الأهواء وجماعاتهم الإرهابية يغلبون الحقائق ليوهموا الناس أن ضلالاتهم وانحرافاتهم هي الحق والطريق السليم.
للأسف فإن كثيراً دعاتنا ومشايخنا يسلكون مسلكاً عقيماً في تغيير الحال ونبذ التطرف والإرهاب، وبدلاً من تأسيس فكر سليم يصعب تغييره، هم يركزون على الشكليات على حساب الجوهر، فهم ينادون بالعبادات على حساب العقيدة، ينادون بالنوافل قبل المناداة بأخلاقيات الفرد المسلم وتعامله مع غيره، يتناسون ثلاثة عشر عاماً من الدعوة والطريقة لتغيير الفكر.
ويختصرونها بالمطالبة بالالتزام بالعبادات قبل تهذيب النفوس على هذه العبادات، والمصيبة الأكبر أن البعض منهم أصبح وللأسف مرجعية دينية لا يثار لهم غبار بالنسبة لمتابعيهم وتابعيهم حول فتاواهم، وإن كانت واضحة للعيان بأنها مخالفة لشرع الله وحكمه وحكمته لهذه البشرية.
الآن لا مجال للمجاملة، والمكاشفة أو المفاضحة أمر واجب لبيان الطريقة والأسلوب الذي علينا ككتّاب وأصحاب رأي بيانها لنقف في وجه الأفكار الظلامية التي تنادي بها جماعة الإخوان ومن يدعمهم ويمولهم ويفتح لهم المنابر والمعابر لينشروا أفكارهم تنفيذاً لمخططات مشينة أرادوا فيها خراب الأمة وتقويض أمنها ومصالح شعوبها.