العابثون حتى النهاية

يقول آلبيرت آينشتاين: «إن لم تتفق الحقائق مع النظرية، غيّر الحقائق»، بالطبع قالها آيتشناين ساخراً، ولكن ما يجري هذه الأيام أقنعني بصحة هذه المقولة، إن وُضِعَ معناها في سياق تصرفات الإعلام القطري وتشنجاته.

ما زالت قناة الجزيرة وأبواقها وبناتها اللاتي نشأنَ مِن حولها، تطنطن بذات الأكذوبة التي حاولوا زرعها في الوعي العربي رغماً عنه، بأنّ قطر هي «كعبة المضيوم»، وحامية الحريّات وناصرة الشعوب المسحوقة.

ورغم ما انفضح من أسرار وما خرج من أدلةٍ دامغة خلال هذه الأيام عن مؤامرات حكومتها ومساعيها لبث الفوضى وتعزيز الانقسامات فيمن حولها، طمعاً في أن تستفرد بالمشهد السياسي، إلا أن بوقها الإعلامي ما زال يظن أنّ بإمكانه تخطي الحقائق، بمجرد دفع الأموال لمرتزقة العرب ومُغرّدي «الفكّة».

هذه الأيام يحاولون التملّص من الحقائق القاطعة التي تُبيّن «سواد ويه» الحكومة القطرية، في تعاملها مع جيرانها وتآمرها عليهم، لذا لجأوا إلى استدرار تعاطف مشاهديهم، وتصوير المقاطعة بأنها حصار للتركيع.

وساقت دجّاليها مدفوعي الأجر ليُشبّهوا الأمر بحصار كفار قريش لمحمد صلى الله عليه وسلم، تخيّلوا لأي درجة مستعدٌ هذا الإعلام لأن يذهب، أصبحنا نحن كفار قريش، وهم النبي وصحابته الأطهار، أي عفنٍ فكري يحمله هذا الإعلام، وأي استغباء يراه في مشاهديه، حتى يصل بالتشبيه لهذا القدر.

المقاطعة هي أن تُغلق أبواب بيتك عن جارك الذي لم يتوقف عن العبث في ممتلكاتك وتخريبها، فلمّا أقفلت بابك عنه اتّقاءً لشرّه، تباكى بأنك تؤذيه، أصبح منع أذى حكومة قطر هو الأذى في عُرفها وعُرْف دجاليها ومرتزقتها، الذين خرج أحدهم ليقول بأنّ ما جرى يؤكد حقيقة أنْ «لا تُصدّق إن قالت السعودية أنها ستوقف تمدّد إيران!»، طبعاً هذا المتذاكي الذي تم شراء ذمّته منذ زمنٍ طويل، يريدنا أن نُصدّق أن قطر المستعينة بالحرس الثوري، ومن شاركته المناورات العسكرية قبل عام، هي من سيوقف إيران.

كما قلناها مراراً بأنّ من تسبّب في المشكلة، لا يمكن أن يكون سبب حلها، لماذا لا تستوعب الحكومة القطرية ذلك، كيف يعقل مع هذا التأزم أن تُعيد للواجهة كاهن الفوضى العربية، حمد بن جاسم، من جديد، ليسكب مزيداً من الوقود على النار، وليحاول المتاجرة بالوضع الحالي.

وتحويل الأزمة التي تسبّب بها وحكومته القديمة الجديدة إلى مظلومية، ومحاولة لاستدرار التعاطف الدولي، وكم كان مخجلاً وهو يكاد يبكي من «التمسكن» في مقابلته مع تشارلي روز.

ويكشف لأول مرة أن «كعبة المضيوم» منحت كل تسهيلاتها وقواعدها العسكرية في قطر للقوات الأميركية، حتى قبل تجهيز قاعدة العديد لتقصف المدنيين الأبرياء في العراق، وقبلها على قرى أفغانستان البائسة، ربما الأصح تسميتها «كذبة المضيوم»، فهي من شارك في قتل مئات الآلاف من الأبرياء لا نُصرتهم.

ويعود للتذكير بأنّهم رحبوا بالقوات الأميركية في أراضيهم، بعد أن هدّدهم أسامة بن لادن، إذاً، كيف كنتم تنشرون أشرطته دون قطع إطلاقاً، وتدعمون طالبان، وخبأتم خالد شيخ محمد مهندس ضربات سبتمبر؟، مشكلة ساسة قطر أنهم يظنون أنّ الدنيا كلها تملك ذاكرة الذبابة لتنسى سريعاً.

لقد ولّى زمن الديباجات المنمّقة والكلمات الطنانة ومحاولات استدرار العواطف، لقد اتسع الشق على الراتق كثيراً، وكثيراً جداً، وقطر وسياستها الخارجية وقنواتها الإعلامية، أصبحت مكروهةً في طول البلاد العربية وعرضها، ولا يصفّق لها إلا مدفوعو الأجر من المرتزقة و«مقلبو النعل»!

إذا كان بيسمارك يقول بأنّ السياسة هي فن الممكن، وذلك ما هو متعذّر كما يبدو على حكومة قطر، وتخبطاتها في التعامل مع الأزمة، فإنه لا يصدق عليهم إلا وصف إيرنست بين بأنّ: «السياسة هي فن البحث عن المتاعب، واختلاقها إنْ لم تكن موجودة، ثم تحليلها بطريقة مغلوطة، وأخيراً وضع الحلول الخطأ»، فسياسة قطر لم تنضج في يومٍ من الأيام، رغم صبر دول الخليج الطويل على صبيانيتها.

وقد سأم أشقاؤهم وعودهم الكاذبة التي لا تنتهي، ولم يعودوا يأبهون لأي وعود أخرى، فمن يَعِد كثيراً يفي قليلاً، كما تقول حكمة بلاد الغال القديمة، حل الأزمة في مجلس الملك سلمان، وليس في قنوات أميركا أو ساحات تويتر.

إن قطر تحتاج لوقفة حكيمة، بعد أن غادرتها الحكمة منذ سنين طويلة، تحتاج لمراجعات في سياستها الخارجية التي لم تجرّ على الآخرين إلا الخراب والدماء وإطلاق صعاليك الأزقة وقتلة الأقبية ليعيثوا إفساداً حيثما حلّوا، تحتاج مراجعات يقوم بها حكماء يزنون صالح بلادهم بالموازين الصحيحة.

ولا يتوانون عن استعمال مشرط الجراح لإزالة تلك الأورام السرطانية التي فتكت بمفاصل السياسة القطرية، ولا تحتاج لمعلّقات شعراء يهدّدون ويتوعدون ممن يصدق فيهم قول جرير:

زعم الفرزدقُ أنْ سيقتل مرْبعاً

أبْشِرْ بطول سلامةٍ يا مربعُ !

يحتاجون أن يعرفوا أن كل الأوراق أصبحت مكشوفة، وهدفهم يعرفه الجميع، ولا أدل على ذلك مما نقله الكاتب ماكس فيشر عن مارك لينش خبير العلوم السياسية في جامعة جورج واشنطن الأميركية، قوله «إن السياسة الخارجية للدوحة منذ أواخر تسعينيات القرن العشرين، كانت مزيجاً من سؤالين يتمثلان في 1- ما الذي يمكن أن نفعله لكي نضع أنفسنا على الخريطة؟، 2- ماذا بوسعنا أن نقوم به لإزعاج السعوديين».

سأنُهي مقالي باستغراب لا يتعلق بقطر، ولكن يتعلق ببعض من لدينا خلال أزمتنا مع قطر، فرغم أنّي لا أحب التدخل في قناعات الآخرين، لكن هناك مواقف لا يصح فيها إطلاقاً أخذ المواقف الرمادية أو موقف اللا موقف، فسكوت البعض أو تجاهله تماماً لما يحدث وكأنّه غير موجود أو غير مكترث، هو مما يصيب العاقل بالحيرة.

فإنْ كان لا يعنيك تآمر دولة، وبالأدلة الموثقة والبراهين القاطعة على دولتك وحاضرك ومستقبل أبنائك، فتلك مصيبة، الوطن أهم من «جبر خاطر» عددٌ ما من المتابِعين، وأمنه واستقراره أولى من شعبية كرتونية على وسائل التواصل أو برامج التلفاز، فـ «حسّوا على دمّكم»!

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات