تقلّبات اقتصادية

في كل عصر، وفي كل أمة، تسود بعض الأفكار التي يعتبرها الناس من المسلمات، مع أن عكس هذه الأفكار بالضبط، قد تكون هي السائدة في العصر السابق أو في أمة أخرى.

لقد قمت لعدة سنوات بتدريس مقرر جامعي اسمه تاريخ الفكر الاقتصادي، ولم أجد أثناء قراءاتي في هذا التاريخ ما يدحض هذه الفكرة، وهي أن ما يقوله مفكر ما، مهما كان عظيما ومشهورا، ومهما استند في الدفاع عن أفكاره إلى حجج منطقية، لا ينبع من اقتناع بقدر ما ينبع من رغبة وكذلك أيضا في رأى حال المؤيدين لهذه الأفكار أو خصومها.

هذه الرغبة ليس من الضروري أن تكون خبيثة أو أنانية، بل قد تكون ذا باعث نبيل هو التعاطف مع شريحة اجتماعية أو دين أو مع حزب سياسي، أو انعكاسا لظروف اقتصادية واجتماعية تجعل العواطف تميل في اتجاه معين دون غيره، وترجح كفة بعينها على غيرها، ولكن الأفكار تقدم دائما وكأنها نابعة من فكر مجرد عن الهوى.

من هذه الأفكار التي تسود اليوم ولم تكن دائما كذلك، الاعتقاد بأن السلوك الناشئ عن الحافز الفردي أي عن مصلحة شخصية، هو في النهاية أنفع للمجتمع ككل من أي سلوك قد تمارسه الدولة أو السلطة السياسية.

هذا الاعتقاد يسود اليوم في معظم بلاد العالم، سواء المسماة المتقدمة أو المتخلفة، وقد استمد قوة إضافية من سقوط النظام الاشتراكي في الدول المكونة للاتحاد السوفييتي والدول التي كانت تدور في فلكه.

وسوف يذكر القارئ كيف استقبل الناس بعد سقوط ذلك النظام بقليل كتاب«نهاية التاريخ» لوركوياما، والذي كان عنوانه يعنى ذلك بالضبط، أي كان يقول إنه قد ظهر الآن واتضح للجميع أنه ليس هناك بديل كفء للنظام الذي يعتمد على الحافز الفردي، وأنه قد ظهر للجميع خطأ الرأي الآخر القائل إن الدولة أفضل من القطاع الخاص في تسيير أحول المجتمع.

في أواخر القرن الثامن عشر وطوال القرن التاسع عشر كان الاعتقاد السائد فيما يتعلق بأفضلية الاعتماد على الحافز الفردي قريبا من الاعتقاد السائد الآن، ولكن اهتز هذا الاعتقاد بشدة خلال الثلاثينيات من القرن العشرين، عندما وقعت الأزمة الاقتصادية العالمية، ثم في ربع القرن التالي لنهاية الحرب العالمية الثانية.

حينما انتشرت الحركات المطالبة بتدخل الدولة لتحقيق العمالة الكاملة وإعادة توزيع الدخول، وأدت بالفعل إلى قيما ما سمى بدولة الرفاهية(welfare state) التي استهدفت هذين الهدفين بالضبط وقطعت في سبيلهما شوطا كبيرا.

مع ازدياد حكم وقوة الشركات متعددة الجنسيات منذ أواخر الستينيات، وحاجتها إلى فتح أسواق جديد خارج حدود الدول التي نشأت بها، بدأنا نسمع من جديد دعوة قوية إلى الاعتماد على النشاط الخاص وتفضيل الحافز الفردي على أي اعتبار آخر قد يدفع إلى تدخل الدولة، وتردد شعار«الانفتاح الاقتصادي» في الدول التي كانت مغلقة أمام هذه الشركات.

ثم جاءت السياسة «التاتشرية» - نسبة إلى رئيسة وزراء بريطانيا مارجريت تاتشر- التي روي أنها نفت وجود «مجتمع»(society)، وأنها لا تعترف إلا بوجود «أفراد» (Individuals)، واقترنت هذه السياسة نفسها بالرئيس الأميركي ريجان الذي طبقها في الولايات المتحدة خلال التسعينيات.

منذ حدوث الأزمة الاقتصادية في العالم الغربي في سنة 2008، والتي امتد أثرها في مناطق أخرى من العالم، بدأت الشكوك تثور حول حكمة الاعتماد الكامل على الحافز الفردي.

وأخذ تدخل الدولة يحظى بتأييد متزايد مما يوحي بأننا قد نكون قد دخلنا عهدا جديدا تشتد فيه المطالبة بدور أكبر للدولة بهدف وقف اتساع الفجوة بين الدخول والثروات، وعلاج مشكلة الارتفاع في معدلات البطالة.

هكذا يثبت لنا مرة أخرى أنه ليس هناك حكمة اقتصادية خالدة، كما يدعي بعض الاقتصاديين، ولا سياسة اقتصادية صالحة لكل زمان ومكان، وإنما تتغير الأفكار المتعلقة بدور الدولة في الاقتصاد كما تتغير تلك المتعلقة بأي قضية أخرى، باختلاف الظروف والأحوال.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات