فن الإقناع بالتنازل المتبادل

لفتني رسم كاريكاتيري جميل لطفل يهمس في أذن أخيه قائلا له: حينما تدخل على والدنا اطلب منه أن يمنحك دولاراً واحداً، فإذا رفض أطلب منه ربع دولار فقط.

ذهب الطفل وقال ببراءة: يا أبتِ، هل يمكن أن تعطيني ربع دولار؟ (أي تسرع بطلب الحد الأدنى المتفق عليه) فرفض الأب فأُسقط في يد الطفل. ولما خرج قال له أخوه الذي كان يستمع إلى الحوار خلسة: «ويحك! لقد عكست ما قلته لك، في إشارة إلى أن الطفل السائل لما طلب ربع دولار بدلاً من البدء بالدولار لم يدَع مجالاً للتفاوض أو الإقناع ببساطة طلبه.

هذا المشهد يسمى في فنون الإقناع التنازل المتبادل (Reciprocal Concessions)، أي أن السائل مستعد للتنازل عن طلبه الأول (المبالغ فيه) في سبيل الحصول على الطلب الثاني (مراده).

ويسمى أيضًا تكنيك غلق الباب في وجه الآخر (DITF)، بمعنى غلقه في وجه من يحاول إقناعك بصفقة أو سلعة أو خدمة مبالغ في سعرها أو حجمها فيوصد المسؤول الباب في وجه السائل الذي يحاول عبثا إقناعه، ثم يلجأ السائل إلى تكنيك تخفيض طلبه إلى طلب أقل ليظفر بمراده الحقيقي. وهو شبيه بما يحدث في المتاجر عندما يغادر الزبون المحل حينما لا يعجبه السعر فيناديه البائع بتقديم سعر مرضٍ للطرفين.

هذا الأسلوب، الذي درسته في جامعة هارفارد على يد باحث متخصص في التفاوض والإقناع، أثبتته دراسات علمية كثيرة اطلعت عليها، ومنها دراسة نشرت في مجلة علم النفس الاجتماعي والسلوكي للباحث روبرت سيالديني وآخرين، قسموا المشاركين فيها إلى مجموعتين، الأولى طلب منها التطوع لرعاية الأحداث من ذوي السجل الحافل بالجرائم، لمدة ساعتين أسبوعيا لعامين متتاليين (طلب مبالغ فيه). وبعد رفضهم طلب منهم مرافقة هؤلاء الأحداث الجانحين إلى حديقة الحيوانات لمدة يوم واحد فقط (طلب معقول).

وطُلب من المجموعة الثانية طلب واحد معقول. أما المجموعة الثالثة فشرح لها الطلب المبالغ فيه، لكن طلب منها المساهمة في الطلب المعقول وهو المصاحبة إلى حديقة الحيوانات. وكانت النتيجة أن 50 في المائة من المجموعة الأولى امتثلت أو استجابت للطلب، مقارنة باستجابة نسبتها 17 في المائة للمجموعة الثانية، و25 في المائة للثالثة.

ومن هنا يتضح أن تفعيل تكنيك التنازل المتبادل أو «غلق الباب» يجني ثماره، لأنه أسهم في رفع نسبة استجابة المجموعة الأولى للطلب المعقول (مرادهم) إلى النصف، إذ وجدت نفسها بين خيارين أحدهما مبالغ فيه والآخر «مقدور عليه» كما يقال. أما نسبة امتثال الفئة الثانية للطلب فكانت محدودة جدا (17 في المائة‏) لأنها لم تخير بشيء آخر فكانت نسبة الرافضين ساحقة 83 في المائة.

أساليب الإقناع كثيرة، بعضها بديهي، لكننا نحرص دوما على اختيار المدعم بدراسات علمية، مثل أسلوب التعامل عند «غلق الباب» في وجوهنا أو «التنازل المتبادل» الذي يستخدم في الحياة العامة، وفي جمع التبرعات، والمبيعات، والتسويق، ولدى السياسيين وجماعات الضغط السياسي وغيرهم.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات