عقيدة قطر السياسية

واجه مجلس التعاون الخليجي أزمات عدة خرج منها بقوة أكبر، فالمنظمات، سواء كانت محلية أو إقليمية، تقاس بمدى قدرتها على الصمود في وجه الرياح العاتية، وليس في حالات الاستقرار والركود، فاذا استطاعت المنظمات بتجاوز أزماتها فإنه دليل مرونتها ومنعتها وقدرتها على التعافي.

وقد واجه المجلس اختباراً حقيقياً عندما غزا صدام حسين الكويت في 2 أغسطس 1990، والذي تفاجأ فيه أبناء المنطقة كسابقة في العلاقات العربية-العربية. ولكن المجلس استطاع الصمود في مواجهة الاحتلال. وقد خرج المجلس بشكل أقوى مما كان عليه حيث أثبتت التجربة أن تعاضد دول المجلس خير كفيل بأمن أعضائه.

وتختلف هذه الأزمة عن تلك بسبب أن المواجهة هي بين دول مجلس التعاون، وأن الدول القيادية في المجلس هي من تقود زمام المبادرة، وليس في حال ردة فعل كما كان في أزمة احتلال الكويت. إضافة إلى أن دول المجلس اتخذت إجراءات وحلول دون انتظار من دعم خارجي.

ويخطئ البعض حينما يظن أن الأزمة آنية أو وليدة اللحظة، بل تعود جذورها إلى ما قبل الانقلاب الذي أتى فيه الأمير السابق خليفة بن حمد إلى السلطة. وقد جاء انقلاب حمد بن خليفة على والده في 27 يونيو 1995 لتحقيق واقع قائم، حيث إنه تسلط على كل مفاصل الدولة قبل وقوع ذلك الانقلاب. وقد أشار أحد الكتاب ببروز «عقيدة حمد» في السياسة الخارجية القطرية منذ الانقلاب دون الولوج في تفاصيل هذه العقيدة.

فمصطلح عقيدة في السياسة الخارجية هو مصطلح أميركي بامتياز. فيتحدث المؤرخون والكتاب السياسيون عن عقيدة مونرو والتي تشير إلى الرئيس الأميركي في بداية القرن التاسع عشر والذي بموجبه أعلن عن منع أية قوة أوروبية من تأسيس نفوذ لها في الحديقة الخلفية للولايات المتحدة، وكذلك عقيدة ايزنهاور والتي أعلن فيها الرئيس حينها انه سيقدم العون لأية دولة تتعرض فيها إلى عدوان شيوعي. وقد كان ذلك المبرر لإرسال قوات المارينز إلى لبنان في العام 1958.

وإذا كانت هناك «عقيدة حمد» في السياسة الخارجية فهي عقيدة يجب أن تنسب إلى الأمير حمد بن خليفة ووزير خارجيته حمد بن جاسم بن جبر والذي يعتبر مهندس الانقلاب ومنفذ السياسات الخارجية. وتتكون هذه العقيدة من حقائق أن حجم قطر مساحة وسكانا صغير بالمقارنة مع كثير من دول الجوار. وقد سعت قطر التي تمتلك ثروات مالية بسبب تصديرها للغاز لتحقيق هيمنة إقليمية لا تتوازى مع حجمها من خلال الهيمنة الأيديولوجية والثقافية والسياسية.

وقد شخص الفيلسوف الإيطالي أنطونيو غرامشي (ت. 1937) للهيمنة الثقافية بانها الوسيلة التي تستطيع نخب أقلية من إحكام سيطرتها دون امتلاكها الوسائل المادية لهذه السلطة. وتكمن السلطة في قيم ثقافية تقنع الأغلبية بمدى فائدة حكم هذه الأقلية للأغلبية الشعبية. وتقوم هذه الهيمنة على الإقناع أكثر من القسر؛ رغم أن القسر يلعب دور مهما في أحكام الهيمنة، والمعروف أن الثقافة تسري في المجتمع مسرى الدم في الجسم البشري.

وليس هناك من عامل أكثر صرامة من العامل الديني والذي يتغلغل في ضمير ووجدان الفرد في سلوكه الاجتماعي أو السياسي، فلا يتطلب الإيمان رقيبا أو حسيبا. فالفرد هو من يراقب نفسه ويحاسب نفسه، وضميره يؤنبه في مخالفة التعاليم الدينية.

وقد أسس النظام الجديد محطة الجزيرة والتي أصبحت وسيلة فعالة كرافعة مهمة لعقيدة حمد السياسية، وبدأت المحطة تختط خطا شعوبيا لدغدغة عواطف الجماهير العربية تتعلق بالقضايا العربية والإسلامية، وعلى رأسها قضية فلسطين، وأصبح لها شعبية فاقت صوت العرب إبان الحقبة الناصرية.

وفي الوقت نفسه شيدت قطر تحالفا مع الولايات المتحدة وانفتحت مع إسرائيل لتأمين النظام الجديد والذي يبدو انه سوف يتعدى جيرانه، وحتى واشنطن بعد أحداث سبتمبر الإرهابية رأت أن محطة الجزيرة تميل إلى الإسلام الراديكالي.

واعتقدت قطر أن الحصان الرابح هو الإسلام السياسي، وأن ركوب الموجة الإسلامية سيحقق لقطر ما لا تستطيع تحقيقه بسبب حجمها الصغير، وأن المردود السياسي لكذا تحالف أكبر مما يمكن تحقيقه من وسيلة إعلامية رغم تأثيرها الواسع والعميق.

وأصبحت عقيدة السياسة الخارجية متحالفة مع التيار الإسلامي السياسي وخاصة بعد الإرهاصات العربية في العام 2010-2011.

وقد شهدت هذه الفترة بروز هذه الحركات بشكل كبير والتي حققت نجاحات انتخابية في تونس ومصر، وقد تواءمَ المشروع القطري مع المشروع الأميركي لنشر الديمقراطية في المنطقة، إلا في قطر.

وقد ذكر لي احد الأصدقاء بيت شعر لأبي الطيب المتنبي يصف هذه الحالة: وَمَن يَجعَلِ الضِرغامَ بازاً لِصَيدِهِ, تَصَيَّدَهُ الضِرغامُ فيما تَصَيَّدا. فهل سيتصيد الإسلام الراديكالي قطر ونظامها؟

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات