عن قطر وملفات عربية

لا يوجد في العنوان استعادة لقصيدة نزار قباني الشهيرة والتي تداولناها مع قصيدة أخرى بعنوان «الممثلون» سراً بعد هزيمة يونيو 1967، وإنما هي مجموعة من الملاحظات على تاريخ طويل كان فيه الكثير من النكسات بقدر ما كان فيه من هزائم.

هذا العام فيه الكثير من المراجعة بعد مرور 100 عام على وعد بلفور، و70 عاماً على قرار تقسيم فلسطين، و50 عاماً على هزيمة يونيو، وفي العام الماضي كانت الذكرى تعود قرناً إلى اتفاق سايكس بيكو.

ربما علينا أن نسأل في البداية ما الذي انتكس بالضبط، أو ما الذي أصيب بالهزيمة، أو جاءته «النكبة» على وجه التحديد، وهل التفكير يكفي على اعتبار محورية القضية الفلسطينية والدور الاستعماري في تقسيم الوطن العربي.

مراجعة كتب التفاسير كلها لا تفسر الأوضاع الراهنة في العالم العربي، فلا يوجد ما يفسر لماذا تقوم دولة قطر بما تقوم به.

لا أدري عما سوف يكون عليه الحال ساعة نشر هذا المقال وهل ستنجح أم لا الوساطات بين الدول التي ثارت على الحالة القطرية المشجعة للإرهاب والدولة القطرية.

مثل هذا تفاصيل ولكن الجوهر يظل كما هو حيث الحقيقة أن قطر أصغر بكثير من لعب دور ليس له هدف أو لا يتناسب مع عناصر قوتها؛ حدوث ذلك يتنافى مع حقائق العقل والمنطق والحكمة. انظر للحالة الفلسطينية التي تدور حولها ذكريات المائة عام على وعد بلفور، والسبعون عاماً علي قرار التقسيم، والخمسون عاماً على النكسة حينما وقعت كل أراضي فلسطين تحت الاحتلال، ما كان منها تحت الإدارة المصرية، وما كان تحت الحكم الأردني.

مع هذه الكارثة الكبرى، كيف بعدها ينقسم الفلسطينيون إلى كيانين منفصلين، كيف يمكن لحلم الدولة الفلسطينية عندما يتحقق أن يصير دولتين؟

لماذا يصر بشار الأسد على البقاء في دولة تحولت إلى خرائب، والغريب أن أرض الخرائب هذه بدأت بالفعل عملية التطهير العرقي بين السنة والشيعة، والعرب والأكراد، ومن يعلم ماذا سوف يصير عليه الحال مع العلويين والدروز، ومن بعدهم وقبلهم أقوام.

في العراق أعلن الإقليم الكردي في الشمال عن عزمه لاستفتاء تحقيق المصير لإقامة الدولة الكردية يوم ٢٥ سبتمبر المقبل؛ فماذا سوف يكون حال العراق بعدها، وهل سوف تسمح تركيا وإيران بمولد دولة تمتد إلى أراضيهم، وهل التحركات الكردية الحالية في سوريا ترمي إلى فصل منطقة شمال شرق سوريا لكي ينضم إلى شمال العراق في دولة كردية موحدة؟

كل هذه الأسئلة مُعذبة، وجوابها نار ولهب، ولكنها تلقي على مصر واجبات ثقيلة إزاء نفسها وإزاء جيرانها العرب.

المسألة ببساطة هي أن المنطقة تفتقد كتلة حرجة من الحكمة والقوة التي ترجح الغني على حساب الفقر، والتقدم على حساب التخلف، والحضارة على حساب الجاهلية.

أعتقد أن الموقف الذي اتخذته دول الخليج إزاء قطر، وفيه مناصرة لموقف مصر من قضية الإرهاب، يفتح الأبواب لمجالات أخرى من التعاون والمشاركة في التعامل مع قضايا متنوعة في المنطقة بدءاً من تسوية الأزمة السورية وحتى حل المسألة الفلسطينية مروراً ببعث العراق من جديد.

الكتلة الحرجة تعيد ترتيب توازنات القوى في المنطقة كلما عملت معاً وبتناغم يعرف كيف ينتقل من خطوة إلى أخرى، وكيف يفتح الأبواب لجميع الأطراف، ويقيم جسوراً نحو جميع الاتجاهات.

لقد قمنا دولة وشعباً خلال الفترة القصيرة الماضية بعدد من الخطوات الشجاعة بدأت بوقف الدولة الإخوانية في مصر، ومرت بطرح مسألة الإصلاح الديني، ووصلت إلى الإصلاح الاقتصادي العميق، وأخيراً استعادة الدولة لأراضيها وخلال فترة زمنية قصيرة.

بشكل ما أصبح في مصر للزمن ثمن، فبات من الممكن إنجاز مشروع كبير مثل تفريعة قناة السويس خلال عام، واستعادة أراضي الدولة المنهوبة خلال أسبوعين، وهناك مشروعات كثيرة سارت بسرعات أكثر مما هو معتاد.

ربما كان الأهم من ذلك كله أنه بات هناك إدراك تام لدى القيادة أن البداية الحقيقية لتغيير الأوضاع في مصر والمنطقة العربية تبدأ من الداخل المصري الذي لديه الإمكانيات للتقدم استناداً إلى حزمة واسعة من الموارد المادية والبشرية، التاريخية والجغرافية والديمغرافية، التي كلما تقدمت خطوة صححت الكثير من توازنات القوى المختلة في الإقليم.

مصر وبصراحة لا تحتاج المنافسة مع أحد فمع كل ارتفاع في معدلات النمو، ومع كل إبداع ثقافي، ومع كل ممارسة صحية بين السلطات الثلاث في الحكم، ومع كل تطور إيجابي في رأس المال الاجتماعي والمجتمع المدني، ومع كل إضافة للأصول المصرية سواء أكانت بزيادة الرقعة الزراعية أو تحقيق طفرة في إنتاجيتها، وزيادة القدرات الصناعية في البلاد، فإن الأحوال لن تتقدم في مصر وحدها فقط وإنما في المنطقة كلها.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات