دوافع الإرهابيين السرية

أذكر قبل عقود، كيف أن الحكومة كانت تكثر من استخدام تعبير «الأفكار الهدامة»، التي توصف بأنها «تعمل على قلب نظام الحكم»، وهو جريمة بالطبع في نظر كل من يتولى الحكم، أما لفظ «الإرهاب»، فلا أظن أنه كان شائعاً أو حتى يستخدم أصلاً، قبل أربعين أو خمسين عاماً، ثم زاد ترديده في وسائل الإعلام.

أصبح من النادر أن يمر يوم واحد دون أن نسمع هذا اللفظ في وصف من يقوم بعمل من أعمال العنف أو القتل أو التدمير، بل وكاد استخدامه أن يصبح كافياً كتفسير لما حدث، وليس مجرد وصف له، وهو تطور غريب، إذ إن كلمة «الإرهاب» لا تعنى أكثر من إشاعة الخوف والرعب، دون أن تفصح عن هدف معين من وراء ذلك. ومن ثم، فإن وصف مرتكب العمل بأنه إرهابي غير كافٍ، ولا يعطى أي معلومات مفيدة عن أسباب ارتكاب العمل أو المستفيدين منه.

كان تعبير «الأفكار الهدامة» كثيراً ما يفهم على أنه يشير إلى الأفكار الشيوعية التي تناهض النظام الرأسمالي، وتدعو إلى تحقيق درجة أكبر من المساواة في توزيع الثروة والدخل، وبهذا المعنى، كان من الممكن أن يشار إلى مفكر بعينه أو مجموعة من المفكرين من أصحاب مثل هذه الدعوة، على أنهم هم مصدر هذه «الأفكار الهدامة»، أما «الإرهاب»، فقد تحول من مرور الزمن إلى لفظ بحاجة إلى توصيف أعمق، من حيث أفكار القائمين به وأهدافهم.

أصبح الإرهابي الآن، شخص يستخدم العنف، إلى حد قد يصل إلى القتل، لتحقيق هدف معروف واحيانا غير معروف، ورجال الأمن يتعقبونه لمنعه من القيام بهذا العمل.

الظاهرة مهمة وتثير الكثير من الأسئلة. لماذا يوجد الآن من يبدون وكأنهم يكتفون بارتكاب أعمال العنف دون الإفصاح عن غرضهم الحقيقي الخفي منها، ولماذا لا ينشر علناً من نتائج لتحقيق ما يكفى لفهم الدوافع الحقيقية للإرهاب، فإذا خطر على الذهن أن للإرهاب علاقة بدولة أو أمة بعينها، فلماذا نجده يحدث ويتكرر في أمم ودول أخرى، لا تبدو بينها صلة واضحة، وبين الغرض المحتمل من الإرهاب؟.

بل لماذا زاد عدد هذه الأعمال الإرهابية وانتشرت في مختلف الدول، حتى لم يعد المرء يستغرب حدوثها في أي دولة مهما كانت، كبيرة أو صغيرة، تلعب أو لا تلعب دوراً مهماً في العلاقات الدولية.

من بين هذه الأحداث الإرهابية، ما يسمى أحياناً بأحداث الفتنة الطائفية، وهذه الأحداث تثير الدهشة، إلى جانب الفزع والإحباط، لأنها لا تقترن بأي نفع يمكن أن يعود على أي طرف من الأطراف.

مَن المستفيد من هذه الأحداث، هل يفيد دين معين من قتل مجموعة من المنتمين إلى دين آخر، وما هذه الفائدة بالضبط، بل أليس الضرر الذي يصيب مرتكبي هذه الأعمال، ويصيب الدين الذي يعلنون انتسابهم إليه، أكثر من أي هدف يمكن تصور أن يحققه أي طرف من الأطراف.

هناك بالطبع احتمال وجود طرف خارجي يستفيد من الأعمال الإرهابية، ولكن لماذا لا نصادف أي محاولة جدية للكشف عن هذه الفائدة، وعن هذه الأطراف الخارجية؟.

لا أستطيع أيضاً أن أمنع نفسي من التساؤل عما إذا كانت هناك علاقة ما بين الإرهاب ووسائل الإعلام؟.

ألا تسهم وسائل الإعلام للأسف بدور، مهما كان صغيراً، في دعم الإرهاب، إن ما يكتبه الوعاظ في شجب الإرهاب، لا أظن أن له أي نفع في منعه أو التقليل من انتشاره، ولكن ألا يمكن أن يكون من بين منفذي الأعمال الإرهابية، مفتونون بالشهرة أو لفت الأنظار، أياً كان العمل الذي يجلب لهم هذه الشهرة، بل وحتى لو اقترن في بعض الأحوال بعمل انتحاري يدمر مرتكبه نفسه في ما يدمره؟.

لقد قرأت مرة أن المشرّع الروماني رفض أن يضمن قانونه نصاً على العقاب الذي يفرض على الابن الذي يقتل أباه، لأن مجرد ذكر مثل هذا العمل في نص القانون، يعتبر في حد ذاته عملاً نابياً، وقد يجعل عملاً يصعب تصوره، من قبيل الأعمال الممكنة الحدوث.

كما قرأت مرة أثناء إقامة لي بالولايات المتحدة، في فترة تكررت خلالها أعمال العنف، وكانت تعلن يومياً في مختلف وسائل الإعلام، مقالاً يتساءل صاحبه عما إذا كانت هناك علاقة بين كثرة ذكر أعمال القتل والعنف في الصحف والتليفزيون، وكثرة وقوعها بالفعل.

إني بصراحة أعتقد بوجود هذه العلاقة، فإذا كان هذا صحيحاً، فإنه يعني أن تقليل الحديث عن الأعمال الشائنة، قد يقلل من حدوثها.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات