إعلام من نوع مختلف

ذلك اسم البرنامج، الذي يقدمه الإعلامي المتميز ياسر حارب، والذي توقفت عنده طويلاً على عكس الاسم وهو لحظة، فإذا بي أقف أمامه ساعات طوال، وأجدني استرجع ما فاتني من حلقات.

من حسنات تكنولوجيا الاتصال، أنه لم يعد من الصعوبة بمكان استدراك ما فات من مضامين حالت الظروف دون مشاهدتها، للدرجة التي تحولت المشاهدة من متابعة الوسائل إلى مشاهدة انتقائية لمضامين بعينها، بعيداً عن فواصلها الإعلانية التي تؤثر في مواصلة الهدير الذهني مع ما يعرض.

أقول إن برنامج لحظة، والذي تبدأ حلقاته بقوله تعالي "قل سيروا في الأرض"، يقدم دعوة للسياحة الفكرية والنظر إلى المستقبل، في ظل واقع يحاول أن يخطف أبناء شعوبنا العربية بعيداً عن النظر إلى كيف سيكون مستقبلنا، وبخاصة أن الاستعداد للدخول والتعامل مع معطياته، هو من أسباب امتلاك حاضرنا، وأن نكون قادرين على التعامل مع ما سيكون غداً واقعاً نحن جزء منه، ولا نملك أن ننأى بأنفسنا بعيداً عنه؟.

ولا شك أن فاعلية التقديم، الذي يتميز بها مقدم البرنامج، وعمق المعلومة وأهميتها، فضلاً على دقة الإعداد الذي تميز به مضمون البرنامج، وتقديمها دون تعقيد أو استعلاء، جعل من برنامج لحظة، قريباً من عقل المشاهد أياً كان مستواه التعليمي، فضلاً عن الاستعانة بالرسوم الغرافيكية بمستوى راقٍ، قرب المضمون إلى المشاهد بشكل كبير.

إن من أهم الأدوار التي يجب أن تحملها الرسالة الإعلامية، هي أن تكون النافذة التي يطل منها المشاهد على العالم من حوله، في ظل عصر أصبح من غير الممكن الانغلاق على الذات، وأن تضع المشاهد أمام المسؤوليات التي يجب أن يتحملها، عبر ما يسمى بالتقمص الوجداني، وهو الدور الذي قامت به وسائل الإعلام عبر سنوات، غير أن حالة الجفاء، التي كانت دوماً بين الجمهور وبين تلك النوعية من البرامج، تسبب فيها عدم القدرة على النزول بها إلى مستوى المشاهد، ما جعلها قاصرة على فئات بعينها، فضلاً عن صعوبة المصطلحات المستخدمة، وتناول موضوعات لا تهم المشاهد العادي بصفة عامة.

هنا اختلف الأمر، حيث مزج البرنامج بين موضوعات قريبة، وفي ذات الوقت قادرة على الجذب، حين عرض الإنسان الخارق من خلال عرض لنموذج اللاعب "كريستيانو رينالدوا" كمدخل للموضوع، فضلاً عن كيف سيكون المنزل في المستقبل "المباني الذكية"، وكيف أن لها نماذج شاهدة في وطننا، وكيف يمكن أن نكون سعداء والطريق إليها وحقيقتها، التي قدم لها دلالات، منها ألا يحاول الفرد أن يجعل العالم على قياساته الخاصة، وأن يجعل لرغبات نفسه حدوداً تقف عندها.

فضلاً عن تباينها بين الناس بعضهم البعض، وأنها لا تتم عبر قراءة كتاب كيف تكون سعيداً، لكنها مسألة جينية إلى حد كبير، وكذلك ماذا يحدث عندما نصوم، وكيف أن الأطباء كانوا يصفونه باعتباره شفاء لكثير من الأمراض، وكذلك تقريب موضوعات مثل البحث في الفضاء إلى المشاهد برشاقة ودقة؟.

لقد استطاع ياسر حارب، عبر تبسيط اللغة العلمية البسيطة والصحيحة، و في نفس الوقت التركيز على موضوعات جاذبة تهم المشاهد، عبر جرعة مكثفة من المعلومات المقدمة بشكل دقيق ومحدد، أن يجعل قطاعاً عريضاً من المشاهدين يتابعون البرنامج والبحث عنه، وبخاصة أن تلك النوعية من البرامج باتت نادرة على شاشتنا.

إن أهمية برنامج "لحظة" تأتي من أنه يسهم بشكل فعال في نشر الثقافة العلمية بين أبنائنا، وفتح آفاق للتفكير العلمي المبتكر، وتصحيح الكثير من المفاهيم الخاطئة حول الظواهر المحيطة بنا، وتفسيرها في آن معاً، ليثبت ببساطة أن العلم يقضي على الخرافة.

المعضلة الأهم، التي كانت تقف حجر عثرة في الوصول بها إلى الجماهير، هي طريقة التقديم التي كانت تعتمد على الحديث المباشر، أو الفقر في العرض، في حين تقدم غيرها بإبهار إنتاجي ضخم، غير أن التقدم في تكنولوجيا العرض ثلاثي الأبعاد، ودقة الصورة، ساعد في تذليل الكثير من الصعوبات.

فضلاً عن بساطة التقديم ووضوحه، كما أن صعوبة البرامج التي تتناول موضوعات علمية، أنها لا بد أن تعتمد على مصادر موثوقة للرجوع إليها، فضلاً عن الثقافة المتينة التي يجب أن يتحلى بها مقدم البرنامج، وهو ما توافر بشكل واضح في "ياسر حارب"، وهو الأمر الذي ساعده على إعداد مادة البرنامج.

لقد ظلت الرسالة الإعلامية العلمية أسيرة لفترات طويلة بين خيارين، أولهما الاعتماد على متخصصين يمتلكون المعلومة، لكن يفتقدون القدرة على الوصول إلى المشاهد، والثاني تقديمها عبر إعلاميين، لكن تنقصهم الثقافة العلمية الرصينة، غير أن ياسر حارب، استطاع أن يذهب بنا إلى خيار ثالث، يتمثل في دقة المعلومة وجاذبية العرض، وهو ما نحتاج إليه دائماً لإشاعة الثقافة العلمية في مجتمعاتنا.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات