كردستان أمام مفترق طرق

يتزامن قرب انتهاء معركة تحرير الموصل من تنظيم داعش مع احتمال تفجر قضية أخرى تراكمت سحبها الكثيفة وتكاملت مقومات نضوجها على مدى سنوات طويلة، فقد بدأت سلطات إقليم كردستان بالاستعدادات لإجراء استفتاء حول الانفصال عن العراق.

وقد اتخذ الإقليم ترتيبات عدة مع بغداد ومع الأمم المتحدة لتأمين ذلك، فالاستفتاء لا يتطلب فقط موقفاً سياسياً كردياً موحداً بل يتطلب كذلك شفافية يقرها مراقبون دوليون ويتطلب توافقاً وتراضياً مع بغداد، فملف الأراضي المتنازع عليها لم يغلق بعد.

الاستفتاء لصالح الانفصال لا يعني بالضرورة انفصالاً فورياً في دولة مستقلة بل تفويضاً شرعياً للقيادة الكردية لإعادة تقييم العلاقات مع بغداد في سعي نحو الكونفيدرالية أو الانفصال التام حين تسمح الظروف الإقليمية والدولية بذلك فهناك تجارب انفصال عدة لم تكلل بالنجاح.

على المستوى الرسمي اتسم موقف رئاسة الوزراء بالمرونة وبقدر من الحكمة والتفهم على الرغم من تحفظه على توقيت الاستفتاء.

فبغداد لم تعمد إلى الرفض والتصعيد إلا أن جهات أخرى غير رسمية تمتلك ثقلاً لا يستهان به في التحالف الوطني الذي ينتمي إليه رئيس الوزراء قد أسهمت في ذلك من خلال رفض مبدأ الاستفتاء بشكل صريح والتعريض بمستقبل الدولة الكردية أو اللجوء لتصعيد التوتر القائم مع الإقليم على قاعدة قضية أخرى تتعلق بالموقف من الحشد الشعبي.

التهم المتبادلة بين كتلة دولة القانون وإقليم كردستان واللغة التي صيغت بها هذه التهم وما رافقها من تهديدات للقيادة الكردية صدرت عن قيادات بعض المليشيات التي تنضوي تحت لواء الحشد تعبر بصورة صادقة عن طبيعة العلاقات داخل البيت السياسي العراقي الذي يوشك أن يتخلص من قضية شائكة ليدخل ربما في أخرى لا تقل خطورة على السلم المجتمعي في العراق.

فرغم أن أجواء هذا البيت السياسي لا تخلو من أحاديث عن مصالحات وتسويات وطنية إلا أن المناخ العام غير تصالحي بكل تأكيد، فما يمارس في الحقيقة هو المزيد من الإمعان في تمزيق ما تبقى من أواصر بين مكونات المجتمع العراقي.

ففي الوقت الذي ينبغي أن يتسم الخطاب بين الشركاء في العملية السياسية بطابع تفاعلي وحواري إيجابي نتلمس أحادية اتجاهه وفوقية لهجته وهو في أفضل الحالات لإدارة الخلافات والإبقاء عليها وليس التوصل لتسوية بشأنها.

هذا الخطاب المتشنج يمكن أن يفهم في سياق وروده بين قوى على وشك الدخول في حرب طاحنة وليس بين قوى يجلس ممثلوها تحت قبة مجلس نيابي واحد أسهمت طواعية في التوافق على دستور اشتركت في كتابته ووظفت كل قواها على مستوى الشارع لإقراره.

الولايات المتحدة قلقة بشأن تردي العلاقات بين بغداد وأربيل فمن شأن أي نزاع عسكري ينشب بينهما أن يقوض بشكل خطير الجهود الأميركية الرامية لإلحاق الهزيمة بالإرهاب، الطرفان يتعاملان بتوجس وريبة مع العديد من القضايا المعقدة والشائكة بينهما تتناول الأراضي المتنازع على عائديتها والنفط وعائداته والأمن والاستقلال الكردي.

وقد أدى التهرب من مواجهة استحقاقات هذه القضايا عبر الترحيل الزمني المستمر إلى تفاقمها وقد يكون من الصعوبة بمكان مقاربتها وتقديم حلول ناجعة بشأنها من غير دور مؤثر وفاعل تقوم به الولايات المتحدة، فبعثة الأمم المتحدة «اليونامي» أثبتت أن لها قدرات قاصرة ومحدودة.

فقد ساعدت السياسة الأميركية اتجاه العراق منذ سقوط النظام السابق والتي اتسمت بالتأرجح بين التدخل المباشر المفرط والطموح في إدارة بوش وبين إدارة الظهر وفك الارتباط والعزوف عن الإسهام الإيجابي في إدارة أوباما على تحول الخلافات بين بغداد وأربيل نحو المزيد من التأزم.

ومع أن الولايات المتحدة لا تكتم تعاطفها مع الحلم الكردي وتعتبر الأكراد في العراق وفي سوريا أفضل الحلفاء الذين يعول عليهم في حربها على الإرهاب إلا أن إدارة الرئيس ترامب أكدت ما سبق والتزمت به الإدارات التي سبقتها من تمسكها بوحدة العراق.

فهي لم تؤيد رسمياً فكرة انفصالهم خشية أن يصبح التأييد سابقة تذكي لهيب الطموح القومي لمكونات الشرق الأوسط الفسيفسائية وحالة اللا استقرار التي قد تتمخض عنها والتي قد تطول لصعوبة احتوائها.

هناك أكثر من لاعب إقليمي له ما يقوله في الشأن العراقي ومنها قضية انفصال إقليم كردستان، تركيا وإيران بشكل خاص.

إلا أن الولايات المتحدة لا تزال اللاعب الأكبر الذي باستطاعته التأثير على مسارات الأحداث ومنع حدوث صراع مسلح، فقد عانى العراق على مدى عشرات السنين من هذا الصراع الذي أهدرت فيه دماء أبنائه، عرباً وكرداً، وأهدرت فيه ثرواته وحوصرت فرص نهوضه.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات