الحرب ضد مصر

في حياة كل الأمم لحظات حرجة، يتوقف على التعامل معها بحكمة مستقبلها، وعما إذا كانت سوف تسير في طريق التقدم والرفعة، أو أنها سوف تواجه أزمات مستعصية.

«اللحظات الحرجة» تعبير ينطبق على حالة تمر بها الدولة عندما تتضافر مجموعة من الظروف الصعبة عليها في وقت واحد، هو تعبير شبيه بآخر شائع عن «العاصفة الكاملة أو Perfect Storm» التي حدثت في أكتوبر 1991، حينما تلاقت أشكال مختلفة من الطقس بالغ السوء، مع أعاصير وأمطار ورياح عاصفة في منطقة شمال المحيط الأطلنطي.

في وسطها تماماً كانت سفينة صيد السمك «أندريا جيلي» تحاول البحث عن رزقها، فواجهت ما بات معروفاً «بالعاصفة الكاملة»، أي تلك التي لا يفلت أحد فيها ولا ينجو ولا تنجح معها محاولات الإنقاذ.

غرقت السفينة، ولكن الصيادين فيها جرى تخليدهم في فيلم شهير بذات الاسم عام 2000، بطولة جورج كولوني مع نخبة أخرى من النجوم، ومن وقتها، صار تعبير «العاصفة الكاملة»، بالإضافة إلى وصفه متغيرات الطبيعة، مفهوماً سياسياً واجتماعياً يجري استخدامه عندما تتلاقى عناصر وعوامل وأسباب عند نقطة واحدة، فتحدث فيها تأثيراً جوهرياً، كحالات الحرب أو الثورة.

ربما كانت اللحظات الحرجة هي تلك التي تسبق «العاصفة الكاملة»، والتي إذا ما تمت مواجهتها بالحكمة الواجبة، فإنه يمكن ليس فقط تجاوزها، وإنما الانطلاق بعدها إلى آفاق بعيدة، تزداد فيها قوة الدولة ومنعتها.

هي لحظات للقرار والقيادة، وكما يقال عن اللغة الصينية، إن كلمة «أزمة»، وهي وصف آخر للحظات حرجة، تحمل في طياتها النقيضين: الخطر والفرصة، وقد بدأت هذه الحالة في مصر في يوم 26 مايو المنصرم، حينما قامت جماعة إرهابية بالهجوم على قافلة من الحافلات التي تحمل مصريين مسيحيين في رحلة تعبد في دير صحراء المنيا.

كان الخبر موجعاً، لما كان فيه من ضحايا (29 من القتلى وعشرات من الجرحى)، وفوق ذلك أنه كان شهادة على قدرة الإرهابيين على تنفيذ استراتيجيتهم في استهداف مسيحيي مصر، والتي بدأت مع قتل الأفراد في مدينة العريش، ودفعهم مع أسرهم إلى الهجرة، ومن بعدها الاعتداء الآثم على الكنيستين في طنطا والإسكندرية.

كان الاستهداف يضع مصر وتماسكها الوطني وسمعتها الدولية في اختبار صعب، فلا يوجد ما يثير العالم، قدر استهداف البشر بسبب دينهم أو أعراقهم.

صحيح أن الإرهاب لم يكف أبداً عن قتل المسلمين أيضاً، وبسبب دينهم أيضاً، باعتبارهم كفاراً لا يأخذون بدين الإرهاب، فإن ما يظهر في العالم هو الصورة التي شاهدها طوال الأعوام الماضية في دول أخرى في المنطقة.

الحدث الإجرامي وضعنا مرة أخرى أمام لحظة حرجة للتعامل مع الضرورات الأمنية التي لا بد منها للتعامل مع الأزمات السياسية والاقتصادية التي تمر بها البلاد.

الدولة، بات عليها أن تخوض معركتها الاقتصادية الكبرى، وسط ظروف غير عادية، لا يتحملها لا سائح لا مستثمر.

صحيح أن هناك عملية إصلاح اقتصادي كبيرة تجري في طول البلاد وعرضها، وصحيح أيضاً أن الدولة تحرز نجاحات في وجه الإرهاب، وصحيح ثالثاً أن الدولة عبر مؤسساتها التنفيذية والقضائية والتشريعية، تحاول عبور الظروف الصعبة.

وصحيح رابعاً أن استخدام القوة العسكرية ضد الجماعات الإرهابية في ليبيا، كان إشارة إلى حزم مصر وعزمها على أن ترد الصاع صاعين، إلا أن العمل الإرهابي يضع كل ذلك في موضع الشك، ويثير الكثير من التوجس، ويجعل الثقة في المستقبل غائبة، لأن الظن أنه لن يكون آخر العمليات الإرهابية.

من هنا، فإن هناك ثلاثة أمور واجبة: أولها، تهيئة الرأي العام إلى أن المعركة مع الإرهاب مستمرة، وهذه الحالة لا تخصنا فقط، وإنما العالم كله، وثانيها، أننا جادون كل الجد في تحقيق المصالح المصرية العليا، هي الحالة التي عرفناها كثيراً في تاريخنا المعاصر، أن تحمل يد السلاح، بينما تستمر اليد الأخرى في البناء.

وثالثها، أن كثيراً من التواصل بين القيادة والجماهير مطلوب، بكثير من المعلومات، ووفرة في المعرفة، وتعبئة ضرورية للهمم.

المسألة ببساطة، هي أن هناك حرباً جارية في مصر تشنها جماعة الإخوان المسلمين، بالتحالف مع جماعات راديكالية أخرى تحمل أسماء عدة، داعش وولاية سيناء وولاية الصعيد، ولكنها كلها تعمل وفق استراتيجية واحدة لتدمير الدولة المصرية.

هذه الاستراتيجيات تحتاج استراتيجيات مقابلة، ولا تقوم استراتيجية دون معلومات وأهداف واضحة، وقد سبقت المناداة بضرورة وجود مركز لمكافحة الإرهاب، يفكر مع الدولة في كيفية تحقيق النصر في هذه المعركة، وفي وقت آخر، طرحنا الحاجة إلى مركز آخر يعبئ قوة مصر الناعمة التي لا غني عنها في هذه الحرب.

الخروج من اللحظات الحرجة، ممكن إذا ما أعددنا للأمر عدته.

* كاتب مصري

طباعة Email
تعليقات

تعليقات