الرئيس في أميركا وخارجها

من تابع الولايات المتحدة خلال الفترة التي قضاها ترامب في رحلته الخارجية وجد نفسه إزاء عالمين مختلفين أو أميركتين إذا جاز التعبير.

أميركا الأولى هي أميركا السياسة الخارجية، أي الجولة الأولى للرئيس الأميركي الجديد خارج بلاده والتي توضح معالم السياسة الخارجية لإدارته.

أما أميركا الثانية، فهي الداخل الأميركي الذي لا يتضمن فقط التحقيقات الجارية وإنما سياسات الرئيس الجديدة، واللافت للانتباه أن تناقضاً بين الاثنين كان واضحاً في أداء إدارة ترامب.

أما العنوان الأهم لزيارة ترامب الخارجية فلعله التفعيل الحقيقي لشعار أميركا أولاً، رأينا في أوروبا تقريعه العلني لأعضاء حلف الأطلسي الذين اعتبرهم ترامب مدينين لدافع الضرائب الأميركي.

ثم التصريح المثير للجدل الذي قاله لمسؤولي الاتحاد الأوروبي والذي تسرب للإعلام والذي قال فيه إن «الألمان سيئين. سيئين جداً. أنظر إلى ملايين السيارات التي يبيعونها في الولايات المتحدة».

الجديد في كل ذلك أنه لا جديد في مواقف ترامب. فهو في حملته الانتخابية تحدث كثيراً عن الوظائف وانتقد الناتو بل وهدد شركات السيارات الألمانية بدفع نسبة 35% كضرائب لمعالجة العجز في الميزان التجاري بين البلدين.

معنى ذلك أن ترامب وهو خارج بلاده كان يتحدث عن المواطن الأميركي العادي، أي الذي فقد وظيفته أو الذي يتحمل ضرائب أعلى لتمويل الدفاع عن الحلفاء الأوروبيين أو المتضرر من العجز التجاري.

لكن الصورة داخل أميركا الثانية كانت جد مختلفة، فالميزانية التي تقدم بها ترامب خفضت الكثير من البرامج الموجهة لذلك المواطن العادي لصالح الأغنياء وثبت من خلال دراسة للكونغرس أن مشروع ترامب للرعاية الصحية سيحرم 23 مليون أميركي من التأمين الصحي، هذا فضلاً عن التراجع في تمويل برامج البيئة التي تضمن الصحة العامة وسلامة الهواء ومياه الشرب لملايين الأميركيين.

فلعلها المرة الأولى في تاريخ أميركا المعاصر التي يتم فيها الإعلان عن بنود الميزانية التي يتقدم بها الرئيس إلى الكونغرس بينما الرئيس نفسه خارج البلاد.

حضور الرئيس مسألة على جانب كبير من الأهمية. فمشروعه للميزانية هو أهم مشروعات القوانين التي تؤثر على قدرته على العمل الداخلي والخارجي على السواء.

عادة ما لا تمر مقترحات الرئيس في الكونغرس كما هي بالضبط، إذ تخضع لمفاوضات مضنية فيحذف منها الكونغرس ويضيف إليها بل وبإمكانه، على الأقل نظرياً، أن يكتب ويعتمد ميزانية مختلفة تماماً عن تلك التي أرادها الرئيس.

لذلك، فإن كل الإدارات الأميركية حرصت على اختيار توقيت مناسب للإعلان عن ميزانية الرئيس، التي عادة ما تحاط بحملة علاقات عامة قوية، يجوب فيها مسؤولو البيت الأبيض البرامج الإعلامية ويروجون لميزانية الرئيس لدى الرأي العام، بينما يجري الرئيس بنفسه أحاديث صحافية تتناولها، وأحياناً ما يعقد مؤتمراً صحافياً موسعاً هدفه تحديد أولوياته فيها، أي الأهم والمهم.

كل ذلك لضمان حشد رأي عام معقول يساعده على التفاوض مع الكونغرس، لكن أياً من ذلك لم يحدث، الأمر الذي يجعل مهمة ترامب بعد عودته أكثر صعوبة.

أكثر من ذلك فإن ميزانية ترامب تحدث تخفيضاً مذهلاً في البرامج الاجتماعية التي يستفيد منها المواطن العادي، وليس الفقير فقط بالمناسبة، وتخفيض حوالي 800 مليار على عشر سنوات من ميزانية برنامج «المساعدة الطبية» (ميديكيد) هو الدليل الأهم على ذلك.

رغم أن برنامج المساعدة الطبية، معروف إعلامياً بأنه البرنامج الذي يغطي الرعاية الصحية للفقراء والمعاقين، إلا أن حوالي 60% من إنفاقه تذهب لرعاية كبار السن من ذوي الحاجات الخاصة.

صحيح أن الميزانية تدخل خفضاً مذهلاً على البرامج الموجهة للفقراء إلا أنها تقتطع أيضاً 40 مليار دولار من الأموال الموجهة لخفض ضرائب الدخل التي تستفيد منها بالأساس الطبقة الوسطى.

أضف لذلك ما أعلنه مكتب الميزانية التابع للكونغرس من أن مشروع قانون الرعاية الصحية الذي يتبناه حزب الرئيس ووافق عليه مجلس النواب سيحرم 23 مليون أميركي من التأمين الصحي.

لا يرتفع في ميزانية إدارة ترامب سوى الإنفاق الدفاعي والإنفاق الموجه لبناء الحائط مع المكسيك، حتى السياسة الخارجية فقد تم الإعلان منذ شهور عن تخفيض ضخم في ميزانية وزارتها.

لكل ذلك، بدا الكونغرس أكثر قوة في مواجهة ميزانية ترامب الداخلية والخارجية، وقد تصدر أعضاء حزب الرئيس من الجمهوريين الساحة، حيث وصفت قياداتهم ميزانية الرئيس بأنها ولدت ميتة، بينما نأى الكثيرون منهم بأنفسهم عن الكثير مما جاء فيها خصوصاً ما اعتبروه عبثاً ببرنامج المساعدة الطبية.

هكذا، يبدو التناقض واضحاً بين أميركا الأولى، أي تلك التي رسمتها جولة ترامب الخارجية في تأكيدها على المواطن الأميركي العادي، وأميركا الثانية، أي التي قدم فيها الرئيس مشروعات قوانين تعيد تعريف ما يقصده بالضبط بالمواطن الأميركي.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات