صنّاع الأمل

تشهد الشاشة في شهر رمضان سباقاً محموماً لعرض المسلسلات أو البرامج لساعات طوال، للدرجة التي قد تحدث للمشاهد تشويشاً يحول بينه وبين الوصول إلى قرار متابعة أي منها، باعتبار أن متابعتها بأكملها أمر يفوق الطاقة، غير أنه قد تجد أن أحد هذه البرامج، والذي يعرض لدقائق معدودات، قد جعلك تتوقف أمامه لعظم القيمة التي يحملها.

استوقفني من برامج شهر رمضان المبارك برنامج «صناع الأمل»، الذي يندرج تحت مظلة «مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم العالمية»، وهي أكبر مبادرة عربية من نوعها مخصصة للاحتفاء بأصحاب العطاء في الوطن العربي.

وذلك عبر تكريم مبادراتهم ومشاريعهم وبرامجهم وحملاتهم الإنسانية والخيرية والمجتمعية، التي يسعون من خلالها إلى الارتقاء بمجتمعاتهم، وتحسين نوعية الحياة في بيئاتهم، ومساعدة المحتاجين، وإغاثة المنكوبين، ورفع المعاناة عن الفئات الهشّة أو المهمَّشة في المجتمع، وإحداث فرق إيجابي في حياة الناس من حولهم، وتسخير مواردهم وإمكاناتهم من أجل الصالح العام أو لخدمة شريحة مجتمعية بعينها.

وكأن هذا البرنامج جاء على موعد مع حالة من القنوط بدأت تدب بين بعض أبناء شعوبنا العربية، وتتمكن من نفوس شبابها خاصة دون أن يكون هناك عمل حقيقي لمكافحة ذلك المرض العضال، الذي إن تمكن سوف تكون العواقب وخيمة، لتأتي تلك المبادرة لتكشف عن حالات من العطاء والبذل.

قام بها أفراد على مدار سنوات دون أن يشعر بهم كثيرون غير أنهم كانوا في محيطهم فاعلين ومؤثرين، نماذج منيرة لأفراد من الذين يكرِّسون وقتهم وجهدهم ومواردهم لخدمة الآخرين، ومساعدة الفقراء والمحتاجين، وإغاثة المنكوبين، والمساهمة في تحسين الحياة من حولهم.

فأثمر الجهد وزاد الأثر، وعظمت النتائج واتسعت دائرة عطاءاتهم، ووجب البحث عنهم والنظر إليهم بعين التقدير، واعتبارهم نماذج سباقة وقدوة للرجال والنساء من أبناء شعوبنا العربية، فضلاً على أن ما قاموا به من جهد فردي يمكن أن يتحول إلى عمل مؤسسي عبر تبنيه ليزداد النفع العام به.

الحق أن الجديد في برنامج «صناع الأمل»، الذي يقدم كل يوم نموذجاً مضيئاً لأعمال كبيرة، قام بها أفراد رفضوا أن يقفوا مكتوفي الأيدي أمام التحديات التي تواجههم وجعلوا منها فرصة للنجاح لهم والخير لمن حولهم دون أن ينظروا حلول من خارجهم، فكانوا كمصابيح ينيرون دروب من حولهم دون مَن أو انتظار شكر.

الجديد أننا كنا دائماً نبحث عن هذه النماذج خارجنا من مختلف دول العالم ونقدمها في برامجنا بكثير من الإعجاب مما يقومون به، لا ضير في ذلك، غير أن إعلامنا كان على الجانب الآخر يقدم الوجه المغاير لذلك من داخل المجتمعات العربية.

يقدم نماذج حية من أبناء جلدتنا الذين يشبهوننا ويتحدثون بلساننا يخرجون من بطون بيئتنا العربية، ليقدموا نماذج مبهرة في العطاء وتغيير الواقع بإمكانات فردية بسيطة، لكن بإرادة كبيرة اتسعت وخرجت من عباءة حب الذات والتعلق بالمصالح الخاصة إلى العطاء العام والخير لمن حولها، فلما استشعرت السعادة وذاقت حلاوتها تمادت في عطائها ودعت غيرها للحاق بالركب، ولا شك في أننا أكثر تأثراً بما نعرفه ويعرفنا.

إن برنامج «صناع الأمل» يسعى إلى غرس ثقافة الأمل والإيجابية في مختلف أنحاء الوطن العربي، وتشجيع العطاء أياً كانت الظروف ومهما بلغ حجم التحديات، و المساهمة في خلق نماذج إيجابية ملهمة من الشباب في العالم العربي يكونون أمثلة تحتذى لغيرهم في العمل من أجل التغيير البنّاء وتطوير مجتمعاتهم، كما أن هدفه الأسمى الاحتفاء بهذه النماذج بوصفهم الأبطال الجدد أو النجوم الحقيقيين، الذين يستحقون الإشادة والتقدير في ظل تكريس بعض أشكال الدراما العربية لنماذج لا تعبر عن حقيقة أبناء شعوبنا العربية، وتقديمهم باعتبارهم النماذج الغالبة وهو أمر يضر ولا يفيد.

إن الأمل هو الصناعة التي نحن في أشد الاحتياج إليها، كما أنه المجال الجدير بالاستثمار فيه باعتباره يمثل مستقبل شعوبنا.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات