اضطراب بين واشنطن وأنقرة

فرضت الأزمة السورية ضغوطا هائلة على العلاقات الأميركية التركية وذلك للتباين الشديد بين أولوياتهما في سوريا.

هذا التباين في الرؤى قاد إلى تباين أكثر خطورة في اختيار الحلفاء لتحقيق الأهداف مما وضعهما في موقعين متعارضين لا يتمكن أحدهما من تبني خيار الآخر دون الإضرار بخياراته.

تطرح تركيا نفسها كقوة قادرة على ترجيح كفة الصراع في سوريا لصالح طرف دون آخر في حين يرى الرئيس ترامب وسبقه في ذلك سلفه أوباما أن بإمكان الولايات المتحدة تحقيق مكاسب على الأرض بالتمسك بحلفائها في سوريا دون الحاجة للتنسيق مع تركيا.

حلفاء الولايات المتحدة في سوريا هم قوات سوريا الديمقراطية التي تشكلت في أكتوبر 2015 من مليشيات كردية وعربية وأرمنية وتركمانية وسريانية تتوزع في سبعة وعشرين فصيلا إلا أن وحدات حماية الشعب الكردي تمثل عمودها الفقري.

لم يتطرق الرئيس ترامب في اللقاء الذي اتسم بالدفء مع الرئيس التركي في السادس عشر من مايو المنصرم إلى النقاط الخلافية بين الطرفين .

كما إن الرئيس التركي هو الآخر لم يتطرق إلى قضية فتح الله غولن وتكرار المطالبة بتسليمه، ولكن رغم ذلك لم يستطع اللقاء إخفاء الخلافات العميقة بين البلدين التي ورثتها إدارة الرئيس ترامب عن سلفها.تركيا تعتبر هذه الميليشيات، القوة القتالية الأكثر فاعلية على الأرض، امتدادا لحزب العمال الكردستاني المحظور، بي كي كي، الذي يعتبر منظمة إرهابية في تركيا والولايات المتحدة وأوروبا.

فقد أكد أردوغان في لقائه مع ترامب بأن تركيا لن تأخذ بنظر الاعتبار أية خطط تتعلق بجعل هذه الفصائل الكردية جزءا من مستقبل المنطقة.

تركيا لم تكتف بالاعتراض الكلامي على الموقف الأميركي بل وثقته بعملية عسكرية في وقت سابق حين قامت طائراتها فجر الخامس والعشرين من أبريل المنصرم بشن غارات لقصف مواقع تابعة لحزب العمال الكردستاني ولمنظمات أخرى مرتبطة بها في جبل سنجار في محافظة نينوى في شمال العراق وجبل «قرة تشوك» في محافظة الحسكة شمال شرق سوريا.

تمكنت تركيا تحت حكم حزب التنمية والعدالة من تحقيق نجاحات مرموقة في تطوير الاقتصاد ونجح الحزب أخيرا في تحويل تركيا إلى نظام رئاسي يمنح زعيمه أردوغان المزيد من السلطات والحرية في تنفيذ برامجه إلا أنه لم ينجح في جعل تركيا قوة إقليمية لها ما تقوله في شؤون المنطقة ونظامها الإقليمي على الرغم من أنها شديدة الالتصاق بقضاياها عبر التاريخ.

ما حصدته تركيا في سوريا حتى الآن أقل من توقعاتها حين زجت نفسها بقوة في الأزمة السورية، فهي قد نجحت في التنسيق مع روسيا ومع إيران أكثر من نجاحها، إن كان ثمة نجاح، في التنسيق مع حليفتها الولايات المتحدة.

إلا أن هذا النجاح قد لا يؤهلها لتكون ضمن من يرسم مستقبل سوريا أو درء ما تخشى وقوعه من تنامي الدور الكردي في الحياة السياسية فيها خاصة أن الولايات المتحدة لم تبد اهتماما يذكر بما يجري في العاصمة الكازاخستانية من تنسيقات حول وقف إطلاق النار وحول دور الضامنين في تثبيته وحول المناطق الأقل سخونة أو غير ذلك.

العمليات الأميركية على الأرض السورية لها أبعاد استراتيجية مختلفة تتعلق بتطويق الامتدادات الإيرانية في المنطقة من جهة ولدفع روسيا لتسليط المزيد من الضغوطات على إيران وعلى نظام الأسد من جهة أخرى. فسياسات الولايات المتحدة وبالتالي عملياتها العسكرية لا تتناسق مع ما تقوم به روسيا ولا تتكامل معه.

هذه ليست المرة الأولى التي تتعرض فيها العلاقات التركية الأميركية للاهتزاز بسبب تضارب المصالح، العلاقة الوثيقة بينهما تعود لعام 1952 حين انضمت تركيا لحلف الناتو لتصبح أحد أبرز حلفاء الولايات المتحدة طيلة فترة الحرب الباردة.

إلا أن ذلك لم يمنع نشوب أزمات حادة بينهما حين تتصادم المصالح، فالعلاقات القوية هذه أصابتها الجفوة بعنف عندما تدخلت تركيا عسكريا في قبرص عام 1974 وفرضت الولايات المتحدة ردا على ذلك حظرا على تصدير السلاح إليها. ولم تنته تلك الجفوة إلا بإسقاط الحكم المدني في تركيا بانقلاب عسكري دموي قاده الجنرال كنعان إيفرين عام 1980 بعد نجاح الثورة الإسلامية في إيران وفقدان الولايات المتحدة لأحد حلفائها الرئيسيين في المنطقة.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات