قام الرئيس ترامب بزيارة تاريخية للمملكة العربية السعودية، وهي أول زيارة إلى الخارج يقوم بها ترامب منذ توليه الرئاسة. وللزيارة دلالات كثيرة.
رغم عزوف الإدارة السابقة عن قضايا المنطقة، وتحامل ترامب على المنطقة وأبنائها أثناء الحملة الانتخابية وبعد تسلمه السلطة، وبعد أن ضعف الرئيس سياسياً في الداخل بعد الكثير من الاتهامات الموجهة له بالجملة، وعى بأنه هكذا تورد السياسة، وأن الحكم يختلف عن الحملة الانتخابية، وأن الدولة لها أسبابها ومسبباتها.
لمعرفة أسس التغير في التوجه علينا الرجوع إلى تاريخ علاقات الولايات المتحدة بالمنطقة.
هناك ثوابت وهناك متغيرات للسياسة الأميركية في المنطقة: الثابتان في العلاقات الأميركية مع المنطقة هما النفط وإسرائيل، وهناك السياسات التي تتغير لتحقيق الثوابت، وقد يرى البعض أن محاربة الإرهاب أصبحت من الثوابت بعد الأحداث الإرهابية في سبتمبر، ولكن في الواقع فإن الإرهاب، رغم أهميته القصوى في الاستراتيجية الأميركية، يأتي كنتيجة للانخراط العميق في المنطقة.
ترى الولايات المتحدة أنها تلعب دور المهيمن على النظام العالمي بتجلياته الاقتصادية والأمنية وحتى الثقافية، والهيمنة لا تعني التسلط في لغة العلاقات الدولية ولكن تعني مزيجاً من الإقناع والقسر. أي أن المهيمن على النظام يستطيع أن يثيب الملتزمين بالنظام ويعاقب المخالفين له. ويتطلب أن يكون للمهيمن قوة طافحة لفرض القواعد العامة للنظام.
ودور واشنطن هو دور المهيمن بهذا المعنى، والنفط مهم لهيمنة الدولار على الاقتصاد والتجارة الدولية. وقد برز دور الدولار كعملة عالمية بعد الحرب العالمية الثانية حين تعهدت الولايات المتحدة حسب اتفاقية بريتون وودز بتغطية الدولار بالذهب. ولكن حين تخلت عن غطاء الذهب لعملتها، عمدت أن يكون النفط غطاءً للدولار.
فتحديد أسعار النفط بالدولار، زاد من الطلب على هذه العملة. وبالتالي استطاعت الولايات المتحدة زيادة احتياطيها النقدي دون الحاجة إلى غطاء من الذهب.
أما الثابت الآخر في السياسة الخارجية الأميركية في منطقة الشرق الأوسط فيتعلق بدولة إسرائيل. فقد بادرت الولايات المتحدة بالاعتراف بدولة إسرائيل قبل باقي الدول في العام 1948، ولكن العلاقات تطورت بشكل هائل بعد حرب 1967 والتي انتصرت فيها إسرائيل على ثلاث دول عربية مجتمعة.
وقد اختلف الباحثون حول استثنائية العلاقات بين واشنطن وتل أبيب، فالبعض يعزوه إلى الأهمية الاستراتيجية لإسرائيل والتي تمتلك قوة عسكرية تمثل قاعدة متقدمة للولايات المتحدة، بينما يرى آخرون أن العلاقات الخاصة بين الدولتين ترجع إلى قوة اللوبي الإسرائيلي في واشنطن وتحكمه في صنع القرار.
سياسات الإدارات المتعاقبة تختلف باختلاف الزمان والظروف، وقد تتغير لتتكيف مع المستجدات ولخدمة الاستراتيجية الأميركية في المنطقة.
هذا ما يفسر التوجه الجديد للرئيس ترامب لخطب ود الدول الخليجية خاصة، والعربية والإسلامية عامة، فالخطب البلاغية المسيئة عن الإسلام والمسلمين والتي كانت وسم ترامب الخاص أثناء الحملة الانتخابية انصدمت بالثوابت الأميركية.
الولايات المتحدة لا تستطيع الاستغناء عن الدول الخليجية بسبب عامل النفط، ولا تستطيع أن تحارب الإرهاب دون الدول الإسلامية والعربية، ولعل أهمية المسيرة السلمية ليست لحل الصراع العربي - الإسرائيلي ولكن لإدارة الصراع ومنعه من التفاقم والإضرار بالثوابت الأميركية المتعلقة بتدفق النفط وتأمين إسرائيل.
وتسعى إدارة ترامب حالياً لتحقيق «إجماع استراتيجي» في المنطقة بين الدول العربية والإسلامية لمواجهة خطري الإرهاب وإيران، ومن ثم جعل الصراع العربي الإسرائيلي صراع أولوية مختلفة بالنسبة للقتال ضد التطرف والدول المارقة.