قرصنة معلوماتية غير مسبوقة في الثاني عشر من مايو الجاري تصيب بالشلل مؤسسات كبيرة ومهمة في معظم دول العالم جعلت أنظمتها المعلوماتية أسيرة لدى هؤلاء القراصنة لن يطلق سراحها إلا بدفع فدية.
القراصنة يستولون على الملفات التي تضم المعلومات المهمة في هذه المؤسسات ويهددون بمحوها في حالة عدم دفع الفدية خلال بضعة أيام تتضاعف عند عدم القيام بذلك.

الهجوم نجح في إحداث الفوضى وتسبب في إعاقات وتعطيل عمل بعض الشركات وأربك الجهات الأمنية على مستويات تجاوزت أمن المؤسسات التي تضررت إلى أمن الدول خاصة تلك التي أصبحت المعلوماتية عصب الحياة الرئيسي لقواتها المسلحة تصميماً وتصنيعاً وتنظيماً وإدارة زمن السلم والحرب.
فقد كشفت هذه الهجمة عن قدرات القراصنة على اختراق أنظمة الحماية المعقدة مما أجبر قادة الدول على الإيعاز للجهات المختصة بتقييم حجم التهديدات المحتملة.
مع تغلغل الإنترنت، في تفاصيل حياتنا العامة والخاصة، بدأت موضوعات متعددة ذات صلة منها مكافحة القرصنة والإرهاب ومستقبل الحروب والأهمية الاقتصادية لهذا الفضاء وتطوير معايير وقواعد ضمان أمنه تطرح نفسها بقوة، فالمساحة التي يمكن أن تتعرض لهجوم القراصنة باتت تتسع.
وبالتالي تزايدت التهديدات وتفاقمت خطورتها. فقد فرض التحدي الأمني في فضاء سايبر نفسه على الجميع، فكيف يمكن حماية ما يتيحه لنا هذا الفضاء من خدمات من القراصنة، فقد أصبحت القدرة على استخدامه لإلحاق الأضرار المتنوعة حقيقة راسخة؟
ومع أن معظم هجمات القراصنة تتسبب في إلحاق الأضرار والخسائر للأفراد والشركات إلا أن بعضها موجع بشكل خاص فقد قام بعض القراصنة في وقت سابق بالسطو على بيانات بعض المستشفيات وتشفيرها، وهذه مصيبة حقيقية لهذه المستشفيات تخضعهم للابتزاز.
فقد اضطر أحد المراكز الطبية في لوس أنجلس في الولايات المتحدة في فبراير 2016 لدفع مبلغ سبعة عشر ألف دولار فدية بعد أن أصيب بالشلل التام لعدم القدرة على الوصول إلى بيانات المرضى لمدة زادت على الأسبوع.
الهجمات التي يشنها قراصنة سايبر ليست جديدة فكلما نجحت شركات الحماية في التعامل مع أحد الفيروسات والتغلب عليه صنع القراصنة فيروساً جديداً ليتكرر السيناريو وهكذا، صراع دائم بين عقليتين، عقلية اللص وعقلية الشرطي وتطور مستمر في حرفية الطرفين.
تميزت الجرائم الإلكترونية منذ نشأة الإنترنت بسرعة النمو وبالتنوع فهي تشمل سرقة المعلومات والاحتيال المالي والتحرش بشتى أنواعه والتشهير لغرض الابتزاز وسرقة الهوية والتجارة غير المشروعة والتجسس والتخريب والتسبب في الفوضى ونشر الذعر.
أما الخسائر الاقتصادية التي ترتبت على عمليات القرصنة المعلوماتية فهي كبيرة جداً، حيث قدرت «وول ستريت جورنال» خسارة عالم الأعمال في الولايات المتحدة عام 2013 بمبلغ 100 مليار دولار.
أما في عام 2015 فقد قدرت شركة التأمين البريطانية «لويدز» هذه الخسائر بمبلغ 400 مليار دولار وهناك تقديرات بأن هذه الأرقام سترتفع عام 2019 إلى تريليوني دولار.
تدخل الجرائم المعلوماتية التي تجري في فضاء سايبر تحت باب الجرائم ذات الطابع الدولي لأنها عابرة للحدود، كما هو الحال في جرائم الإتجار بالمخدرات أو جرائم الإتجار بالبشر .
ومن هذا المنطلق يصبح من الضروري الالتفات ناحية الشراكة الدولية بخصوص أمن هذا الفضاء والإجراءات الخاصة به وقواعد تنظيمه إذ ليس بإمكان دولة ضمان أمنها المعلوماتي من غير التعاون والتنسيق مع الدول الأخرى في مجال تبادل المعلومات والخبرات وسن القوانين المنظمة للبرمجيات ورصد أخطائها والكشف عن الثغرات التي فيها لأن فضاء سايبر موجود في جميع أنحاء العالم وكذلك القراصنة.
ومن هذا المنظور ينبغي التركيز على أن مهمة الحفاظ على أمن الفضاء السايبري لا تقتصر على المختصين بالمعلوماتية بل ينبغي أن تكون على أجندة صناع القرار في القطاعين العام والخاص.
عقدت مؤتمرات عالمية حول الفضاء السايبري كان أولها في لندن (2011) ثم في بودابست (2012) وفي سيئول (2013) وفي لاهاي (2015).
ففي مؤتمر لندن تم وضع مجموعة من المبادئ حول قواعد السلوك في هذا الفضاء، وركز مؤتمر بودابست على القضايا ذات الصلة بأمنه وحقوق مستخدميه وكانت أهم نتائج مؤتمر سيؤول اعتماد الالتزام بفتح هذا الفضاء وجعله متاحاً بشكل كامل دون قيود لمستخدميه.
أما مؤتمر لاهاي فقد سلط الضوء على المكاسب الهائلة التي يمكن تحقيقها في مجتمع أكثر ترابطاً من أي وقت مضى في هذا الفضاء. وسيواجه المؤتمر العالمي الخامس المزمع عقده في الهند في الربع الأخير من عام 2017 مهمة تقويم مدى النجاحات أو الإخفاقات في التصدي للقرصنة في ضوء الاختراق الكبير الذي حققوه لأمن الفضاء السايبري.