مرت الذكرى التاسعة والستون لنكبة فلسطين، وقد مني العالم العربي بنكبات عديدة منذئذ.

بينما يحتفل الصهاينة والإسرائيليون بإنجاز عظيم لتشكيل دولة من العدم، يلعق العرب جروح مآسيهم، فلا وحدة تحققت ولا أمن استتب ولا تنمية استوثقت ولا حقوق تأكدت ولا أماني نيلت.

توسعت إسرائيل بعد أن تمكنت من تشريد الشعب الفلسطيني حتى تضاعفت مساحات أراضيها، ولم تكتف بذلك بل هاجمت دولاً عربية عدة بدعوى الدفاع عن النفس أو الحرب الاستباقية.

لقد نجح المشروع الصهيوني في فلسطين بسبب أن الحركة الصهيونية استطاعت ربط قضيتها بأهداف الاستعمار، ولا سيما الاستعمار البريطاني، والذي قيض لهذه الحركة استعمار الأرض وتكوين مستوطنات بشرية تحت رعاية الحكومة الاستعمارية.

استفحل أمر الصهاينة في فلسطين وبدا الخطر الصهيوني يحدق بالبلاد والعباد، وحينها، ورغم انقسامات الزعامات الفلسطينية التقليدية، هب الفلسطينيون بثورة عارمة لإنقاذ بلادهم من التهديد الذي أحاق بفلسطين.

لكن بريطانيا، والتي التزمت بفكرة كيان يهودي في ارض فلسطين منذ أن أعطت وعد بلفور للحركة الصهيونية في العام 1917، قمعت الحركات الشعبية المناهضة للاستيطان في فلسطين، وقد استطاع المستوطنون اليهود من تكوين مليشيات مسلحة لحماية المجتمع اليهودي ولتشكيل نواة لجيش يستطيع أن يقيم دولة على أنقاض الشعب وتطهير ارض فلسطين من سكانه وصد أي هجوم من قبل الدول العربية.

وعندما نشبت الحرب العالمية الثانية شارك المستوطنون اليهود في الحرب العالمية الثانية بمتطوعين بلغوا 130 ألفاً عرفوا باللواء اليهودي والذي انضم إلى الجيش الثامن البريطاني بعد أن تلقى تدريبات في الإسكندرية، وقد شارك كثير من ضباط وجنود اللواء اليهودي في الجيش الإسرائيلي أبان حرب فلسطين والذي أفضى إلى النكبة في العام 1948.

أحاط بالنكبة أساطير عدة روج لها أنصار إسرائيل في الداخل الفلسطيني وفي الخارج لجهة تبرير انتزاع حقوق الشعب الفلسطيني وما صاحب ذلك من عنف ممنهج لتنفيذ المخطط الصهيوني في ارض فلسطين.

لعل اهم هذه الأساطير هو أن اللاجئين الفلسطينيين فروا من بلادهم بسبب تحريض الدول العربية، ويدعي الإسرائيليون وأنصارهم بأن الدول العربية طلبت من الفلسطينيين مغادرة أراضيهم ريثما تحرر الجيوش العربية فلسطين من الغزاة، وأن الفلسطينيين غادروا بمحض أرادتهم وانهم أي الحكومات العربية، وحدها تتحمل مأساة اللاجئين الفلسطينيين.

انبرى الصحفي الأيرلندي ارسكن شيلدرز في العام 1961 بتفنيد الزعم بأن الدول العربية بثت في إذاعاتها تحريض الفلسطينيين على الرحيل حتى يتسنى للجيوش العربية تصفية الدولة الإسرائيلية الوليدة .

ومن ثم يعود الفلسطينيون إلى أرضهم، وشيلدرز أرشيف الرصد للإذاعات العربية من قبل هيئة الإذاعة البريطانية بي بي سي ولم يجد إشارة واحدة صادرة عن الإذاعات العربية تحض الفلسطينيين على مغادرة بلادهم، وعلى عكس ذلك وجد هذا الصحفي أن القادة الفلسطينيين حضوا السكان على البقاء وعدم الفرار.

يقول شيلدرز إنه وجد دلائل على حملة نفسية متعمدة لتهجير السكان من قبل المليشيات الصهيونية، فبعد أن ارتكبت مليشيات الأرغون مجازر دير ياسين خرجت في سيارات بمكبرات صوتية تتوعد القرى والبلدات الفلسطينية بمصير مماثل إذا لم يغادروا.

كما أنها أخذت أسرى فلسطينيين في استعراض مذل لهم في الأحياء اليهودية في القدس حيث بصق عليهم المتفرجون، ومن ثم أطلق سراحهم ليرووا معاناتهم لأهليهم كحرب نفسيه، وبث الذعر حتى يفر السكان من ارضهم.

وقد سبقه لهذه الخلاصة العلامة الفلسطيني وليد الخالدي، والذي راجع سجلات رصد الإذاعات العربية والصحفية من قبل البي بي سي وغيرها ووجد أن الإذاعات العربية كانت تدعو الفلسطينيين للثبات بمواجهة الهجمات من قبل المليشيات الصهيونية.

وكما انه رصد من خلال هذه السجلات حملات حرب نفسية من إذاعات مليشيات الهاجنا والأرغون وعصابة شتيرن موجهة إلى الفلسطينيين المدنيين لإخافتهم وإجبارهم على الرحيل.

في سياق الحديث عن تشريد الشعب الفلسطيني، كتب الخالدي دراسة عن الخطة (د) والتي اسماها «الخطة الرئيسة للاستيلاء على فلسطين»، وقد اشتملت الخطة على السيطرة على الأراضي المخصصة للدولة اليهودية وعلى الأراضي خارج حدود الدولة اليهودية، حسب تقسيم الأمم المتحدة للعام 1947، والتي تحتوي على تجمعات يهودية فيها.

يقول الخالدي إن قائد قوات النخبة الصهيونية، البالماخ، ايقال آلون استخدم سياسة الترهيب لحض السكان على الهجرة.

في الثمانينيات من القرن المنصرم كشفت الوثائق الإسرائيلية العسكرية التي رفع عنها الحضر عن تأكيد للمعلومات التي أظهرها الخالدي وشيلدرز منذ عقود.

وقد أثار كتاب بني موريس عن اللاجئين الفلسطينيين جدلاً واسعاً لتأكيده أن السرد الإسرائيلي عن تهجير الفلسطينيين من ديارهم لا يمكن تبريره تاريخياً رغم انه يرفض أن هناك خطة شاملة لتهجير الفلسطينيين من قبل القيادة العليا للصهاينة قبل حرب فلسطين أو أثناءها.

لقد ظهرت مراجعات تاريخية للنكبة من قبل ما سمي بالمؤرخين الإسرائيليين الجدد والذين تصدوا للرواية الإسرائيلية الرسمية معتمدين على الأرشيف الإسرائيلي، ويعتبر المؤرخ سيمحا فالبان من أبرز المؤرخين الجدد والذي كتب حول الأساطير والحقائق حول ولادة إسرائيل.

والخلاصة كما قيل إن القوة لا تصنع الحق ولكن الحق هو الذي يصنع الحق في النهاية.