النظام العالمي لا يتغير بين ليلة وضحاها سوى عند الهزات السياسية العالمية الكبيرة، فمع سقوط النازية والفاشية عند انتهاء الحرب العالمية الثانية نشأت ظروف موضوعية سمحت بميلاد نظام عالمي جديد تراجعت فيه أفكار اليمين وانتعشت في فضاءاته الروح الليبرالية المتسامحة.
حيث تأسست هيئة الأمم المتحدة وشُرعت القوانين والمواثيق الدولية حول حقوق الشعوب في تقرير مصيرها وصدر واحد من أعظم التشريعات وهو الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1949.
هذه الهزة تكررت باتجاه معاكس، بشكل ما، مطلع تسعينيات القرن المنصرم عند انهيار الاتحاد السوفييتي المعادي التقليدي لليمين على مستوى العالم وتحولت وريثته روسيا مع مجيء الرئيس بوتين لسدة الحكم إلى داعم لحركات اليمين المتطرف ومتعاطف مع طروحات التمسك بالهوية الوطنية ومشجع على الخروج من الاتحاد الأوروبي.
اليمين في الغرب عموماً وخاصة في أوروبا يلم شتات نفسه ليفرض أجندته على شعوبها من خلال سيطرته على مقاليد الحكم.
فالقارة الأوروبية تشهد منذ سنوات عدة صعوداً لا يمكن تجاهله للتيارات اليمينية المتطرفة التي رغم تنوع مشاربها وتباين طروحاتها تشترك في الدعوة لإحياء الروح القومية الشوفينية المعارضة والمعادية للعولمة والمناهضة لأي شكل من أشكال الوحدة الأوروبية والرافضة للتنوع والتي تعزي كل ما هو سلبي في حياة المجتمع إلى ظاهرة الانفتاح ووجود الأجانب.
صعود اليمين المتطرف في هذه الدولة أو تلك من دول الغرب ليس مجرد أحداث طارئة معزولة عن بعضها البعض بل اتجاه سياسي يرقى إلى درجة الظاهرة.
ورغم أن هذه الظاهرة لا تشكل مخاطر حقيقية على المدى القريب إلا أنها من غير شك خطر كامن على المدى المتوسط والبعيد لا يمكن التقليل من شأنه على بقاء الاتحاد الأوروبي وعملته الموحدة «اليورو» وربما على السلم في القارة.
لقد أصبحت هذه الطروحات إحدى أجندات أحزاب اليمين المتطرف في الانتخابات التي تجري في الدول الأوروبية، فقد حبست أوروبا أنفاسها عشية إجراء الانتخابات في هولندا في مارس المنصرم وتكرر ذلك مع الانتخابات الرئاسية الفرنسية أخيراً.
فالمشهدان جريا في أجواء صعود سياسي متزايد للتيارات الشعبوية واليمينية المتطرفة بحيث اعتبر المراقبون كلاً منهما شأناً أوروبياً أكثر مما هو شأن محلي يخص هولندا أو فرنسا لأن هناك دعوات للإجهاز على الاتحاد الأوروبي وعلى منطقة اليورو.
مر المشهدان بسلام فلم يصعد اليمين المتطرف لسدة الحكم هنا ولا هناك وتنفست أوروبا الصعداء، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة هل انهزم اليمين المتطرف حقاً في هولندا أو في فرنسا؟
فيما يتعلق بالشأن الهولندي نكتفي بالإشارة إلى أن حزب «الحرية» اليميني المتطرف قد أخفق في الحصول على الأغلبية إلا أنه سجل بعض التقدم فقد حصل على عشرين مقعداً مقابل خمسة عشر مقعداً كان قد حصل عليها في انتخابات عام 2012.
أما الحزب الليبرالي المحافظ الذي احتفظ بالحكم فقد سجل بعض التراجع بحصوله على ثلاثة وثلاثين مقعداً مقابل واحد وأربعين مقعداً حصل عليها في انتخابات 2012.
المشهد الانتخابي الفرنسي هو الأكثر أهمية لما لفرنسا من ثقل على المستويين الأوروبي والعالمي، هناك قراءات مختلفة له، فوز مرشح الوسط عمانوئيل ماكرون واعتباره نصراً لفرنسا الأوروبية ونصراً لعملة اليورو ونصراً لتأشيرة الشنغن وهزيمة لليمين المتطرف هي القراءة التي حظيت بالتغطية الإعلامية الأوسع انتشاراً، قراءة لا ضير من قبولها فهي ليست خاطئة إلا أنها مبتسرة.
ثمة قراءة أخرى لهذا المشهد تشير إلى أن هذه النتيجة لم تكن هزيمة لقوى اليمين المتطرف الذي سجل صعوداً واضحاً في عدد الأصوات التي حصدتها مرشحته مقارنة بالانتخابات الرئاسية السابقة، فقد حصلت مارين لوبان على ما يقرب من إثني عشر مليون صوت أي نسبة 34% من أصوات الناخبين .
وهي أعلى نسبة يحققها هذا اليمين في تاريخ فرنسا، وهو ما لا يمكن وصفه بالهزيمة، فاليمين لم يشهد انحساراً في النفوذ وإنما العكس اتساعاً له.
من جانب آخر الرئيس الفرنسي الجديد ماكرون حديث عهد بالعمل السياسي وحزب «إلى الأمام» الذي يتزعمه لا يمتلك نواباً في الجمعية الوطنية لأنه تأسس منذ سنة تقريباً لذلك عليه أن يحقق بالزخم الذي دفعه لقصر الإليزيه أغلبية برلمانية في الانتخابات التشريعية الشهر المقبل وخلافاً .
لذلك لن يتمكن من وضع برنامجه الانتخابي قيد التنفيذ بل سيواجه صعوبات جمة في الوفاء بما تعهد به في حملته الانتخابية وسينعكس ذلك على أدائه وسيتعزز موقف اليمين المتطرف مع كل فشل يحصده.